أدرك المشعوذ بسرعة البرق أن الملك ارتاب بأمه؛ لأنه لم يشعر بالتاج على رأسه، ولعله عندما دخل إلى دائرة الحريم نظر في المرآة فلم يجد على رأسه شيئا فثارت نفسه، وحاول قتل تلك الأم لثقته بصدق شعوذاته، فابتسم ابتسامة ماكرة تسر الارتياح لهذه الثقة العمياء وتظهر الاعتماد على تلك الثقة في تهدئة ثورة الملك، ثم استمر في شعوذته بجرأة نادرة وحضور ذهن غريب فقال: أسرعت يا مولاي، ولو سألتني في القاعة لأخبرتك أن حامل هذا التاج لا يراه، وإنني أنا المذنب؛ لأنني لم أجل لصاحب الجلالة ذلك السر قبلا، فاحكم علي بما تشاء، فوالدة صاحب الجلالة هي من أطهر النساء، وأنا أثق كل الثقة بما أقول؛ لأن الأرواح تؤكد لي ذلك الآن في هذه اللحظة، وتظاهر المشعوذ بالانخطاف.
كاد الملك يخدع أيضا، وعلى الرغم من جميع ما مر به من إفك ذلك الرجل ومينه، لولا أن وقف التلميذ وطلب الخلوة بصاحب الجلالة لأمر خطير ينقذ المملكة من الدمار، وما أجيب إلى طلبه حتى طلب الحجز على جميع من حضر الحفلة إلى ما بعد انتهاء حديثه في خلوته بمليكه، وهكذا كان.
وفي تلك الخلوة، وضع التلميذ بين يدي الملك تلك الأوراق التي كان أمره أستاذه المشعوذ بحرقها، ولكنه لم يكن ليحرقها، وإنما موه على أستاذه بإحراق غيرها برشاقة ماهر نجيب حسب للأمور حسابها، وما اطلع الملك على تلك الأوراق وهي تثبت الجرائم التي ارتكبها كل من وزير الميمنة والمشعوذ حتى أظهر دهشته، فأعلمه الشاب عن كل شيء وعن العهد المشترك في خداعه، فأرسل الملك حالا من يكشف عن نسختي العهد في قصر الوزير وفي دار الساحر الدجال، ويا لشدة ثورته، عندما اطلع على نص العهد وهو يعرف خط كل من المتعاهدين وإمضاءه، فأمسك بالجرم بيديه وعينيه وأذنيه، ولم يعد ثمة أي وجه للارتياب.
خرج الملك من الخلوة كالأسد المكلوم، فإذا الشعب وقد عرف كل شيء بتدبير من الشابين، يصخب ويصرخ مطالبا برءوس الخونة المضللين والمجرمين المستغلين والدجلة المشعوذين، فاستجاب الملك لمطالب الشعب، وأصدر أوامره - كما يقول الرواة - بالقضاء على جميع السحرة، وبتحريم السحر والشعوذة في جميع أرجاء المملكة، وفي مقدمتهم ذلك المشعوذ الأكبر، وقد أفسد البلاد، وكاد يهلك العباد؛ لكثرة ما استغل ولوفرة ما هيأ من وسائل الاستغلال.
ولكن هل انتهى السحر بشعوذاته ودجله مع تلك الحادثة؟ وهل قضي بإنفاذ حكم الملك على جميع السحرة والمشعوذين؟
| خاتمة وعبرة
قال الراوي: ما كادت تلك الليلة - ليلة التاج - تتنفس عن فجرها - وقد كانت لجلالته ليلة بيضاء، كتلك الليلة التي استعاد فيها في نفسه تاريخ حياته - حتى كان الملك قد دبر كل شيء، فكان نهارها انقلابا داويا، تغيرت معه وجوه المسئولين في المملكة، وكان تبدلا جذريا، استقر به الاتصال الوثيق بين الدولة في حكومتها وبين الشعب في آماله ومثله، وأصبح الأستاذ الحكيم الثائر مستشارا أول للملك وموجها للحكومة، وراعيا لمصالح الأمة في جماهيرها، وقد عبرت زينة الأنوار المتلألئة على السطوح والشرفات والمندفعة في الأجواء، عن فرح الناس واغتباطهم وعما استعادته الحياة في تلك البلاد من بهجة ومرح، كما عبرت الهتافات والزغاريد المتصاعدة من أفواه الناس وقلوبهم عن حبور الشعب واطمئنانه وسعادته.
استمرت تلك الأعياد، وقد دعيت بأعياد النصر، أياما متواصلة، اتصلت فيها أفراح الليل بأفراح النهار، والناس يهنئ بعضهم بعضا، فتتسامى أرواحهم إلى العلاء، في أجواء المثل الوطنية والقيم الاجتماعية والمناقب الإنسانية، فيلتقون عندها جميعا ملكا وحكومة وشعبا ، وليست الأفراح والأتراح - يشترك فيها الشعب والحكومة معا اشتراكا عفويا يصدر عن طبيعة الذات وعن تحسسها الأصيل تلقائيا، لا اصطناع فيه ولا افتعال، ولا استعارة ولا استئجار، دون تكلف أو محاولة تغطية - إلا وسائل قوة وعزة وبناء صروح للأمجاد، تتباهى بها الأمم وتتفاخر الحكومات ويزهو الملوك، وتكون النتيجة انتصارا على الذات وانتصارا على الأعداء، والحوادث تتوالى، هي الدليل الصادق على صحة هذه النظرات.