تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأخيرا طوى الكتاب، ووضعه على طاولة كانت بجانبه، وعاود نظراته الحادة الثابتة ذات الشرر، إنه كان يهيئ نفسه لإلقاء أبواب من السحر، وهي في هذه المناسبات أبواب الرجفة والخوف والرعب، ثم يرسل شياطين الوهم والخضوع والاستسلام، إلى ما هنالك من أبواب، وما استكمل إعداد ذاته حسب زعمه حتى صرخ بصوت داو: إلي يا شمشريخا ويا شمشريخ، ويا شمرخايا ويا شمروخ، ويا عربدانة ويا عربدون، إلي إلي أيها الملوك من أحمر وأسود وأزرق وأبلق و... و... إلي أيتها الجن والشياطين والعفاريت، وما انتهى من تعداد هذه الأسماء المخيفة بصوته الداوي العريض حتى وضع يده اليمنى على رأس الشاب الأول، واليسرى على رأس الثاني، ثم صرخ سائلا وهو يحدج بنظره الأول: من أنت أيها اللعين؟ فأجابه صوت أجش خافت: أنا الزعازيع أيها الساحر الكبير، ولولا ما تتلو من أسماء لقتلتك.

الساحر :

ومن أتباع أي ملك أنت؟

الشيطان :

من أتباع الملك الأحمر، وسينتقم لي منك لما أزعجتني.

الساحر :

اخرس يا لعين، فأنت وملكك تحت قدمي، وإذا ما أسأت الأدب أحرقتك الأسماء، قل لي ما تصنع هنا؟

الشيطان (وقد بدا عليه الخوف، وارتجف بذلك جسم الشاب) :

إن هذا الشاب طائش، رمى بآنية كانت في يده، فأصابت ابني برضوض آلمته، فأنا أنتقم من المعتدي وسأقتله.

ثم مال الساحر إلى الشاب الثاني وأعاد الأسئلة، فإذا هي جنية، تعلقت ابنتها بهذا الشاب، ولما كان إنسيا لا تستطيع الوصول إليه انتحرت، فالأم تنتقم لابنتها.

فاشتد غضب الساحر وغيظه وأخذ يخاطبهما بشدة وقوة وحنق، قائلا: لا علاقة لهذين الشابين بما أصاب ولديكما، فعليكما أن تخرجا حالا وإلا أحرقتكما بنار الطلاسم والأسماء، فدوت ضحكتان عاليتان وقهقهتان شديدتان وصاح الشيطانان معا: إذا أحرقتنا تحرق الشابين معنا، فما تكون قد صنعت؟ فنادى الساحر شياطين الرعب، فأظهر الشابان الرعب، وكانا قد تمرنا - كما سبق - على أن يظهرا الحالة التي يعلنها الساحر رجفة، فيرتجفان ... الخوف، فيظهرانه ... وهكذا. أما هذه المناقشات، فعلى القارئ الفطن أن يذكر ما سبق، وقلنا: إن الساحر يتكلم من بطنه.

احتدم غضب الساحر وحنقه وصرخ بصوته الأجش الداوي: لا بد لي من إنقاذ هذين الشابين مهما كلفني الأمر؛ لأنهما عزيزان علي، فاخرجا حالا وسريعا دون تأخير، العجل العجل، وإلا ...

وأخذ يتلو الأسماء والآيات، ويستنجد بملوك الجان وجبابرتها، فارتفع صوت الدردهاء قائلا: تمهل أيها الساحر العظيم، واذكر جرأة هذين الشابين ووقاحتهما، ولا تنس أنهما أهاناك، أفلا يسرك أن ننتقم لك؟ فأجاب الساحر محتدما: ومتى كان الانتقام شيمة لرجال الله المختارين؟ فإنني قد صفحت عنهما، وعليكما أن تخرجا حالا، فإذا صوت داو هو مزيج صوتين يقول: لن نخرج، لن نخرج.

ولكن الأستاذ - وقد التهب غضبا وحنقا - لم يمهلهما، فتلا من الأسماء والتعاويذ ما تلا، وكتب من الطلاسم والحروف ما كتب، ثم صرخ صرخة داوية، وضع على إثرها يديه على قدمي الشابين، وأقسم قسما عظيما، فخرج من إبهامي قدمي الشابين دخان كثيف ذو رائحة كريهة، لم يذكر راوي الحكاية أي تركيب كيماوي استعمل الساحر في إرسال شياطين هذا الوهم، ولكن الشابين أدركا أن الرواية قد انتهت، فتظاهرا بالنوم العميق، فطلب الساحر قدحي ماء، قرأ عليهما ما تيسر، ثم نفث في كل منهما من فيه أنفاسا ثلاثة بالتوالي، ثم تكرم عليهما بشيء من لعابه، وأوصى تلميذه - وقد تقززت نفسه مما أصاب القدحين من دنس - بأن يسقي كلا منهما قدحا عند صحوه ليستعيدا نشاطهما، وعندئذ يكون له معهما حديث مفيد.

| الفصل الثالث والعشرون

قال الراوي: لم يكد المشعوذ يطأ عتبة غرفته الخاصة، حتى فتح الشابان العيون وابتسامة ساخرة ترتسم على الشفتين، في حين كان الشاب التلميذ يرسل نظرات حذرة من عينيه المرتبكتين خوفا من مفاجأة الأستاذ في عودة سريعة تعودها منه، فيراهما فيها على هذه الحالة المريبة، ولم يطمئن إلا عندما سمع صوت باب الغرفة في انغلاقه، فأخذ يقهقه معهما قهقهة الهازئ الساخر، يعبر بها عن إدراكه لإفك لم يخدع به، وعن تصميمه على هدم ما يبنيه المشعوذ من قصور المين وصروح الكذب بإفكه المبين وبسراب خداعه.

هذا التاج · الصفحة ٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

هذا التاجص ٤٣