هو :
يجب أن تعتقدا ذلك الآن، وأن تتظاهرا بالامتنان للمشعوذ بعد أن يخرجهما، أن يكون قد أنقذكما من الهلاك.
الثاني :
ما هذه الأحاجي والألغاز؟
الخادم :
بها أنقذكما صديقي من الموت المحتم.
أحدهما :
وهل كنا معرضين للإعدام؟
الخادم :
نعم، ولولا مداورات هذا الهمام لنفذ.
أحدهما (مداعبا) :
وهل يداور الهمام؟ أراك تعلمت من أستاذك المداورات.
هو :
مداورة دفع الشر ليست بشر، ولا بد من أن نحارب الأعداء بسلاحهم، فالأخلاق ببواعثها تسمو وتنحط، والأمور بمقاصدها تعلو وتسفل، وإنما الأعمال بالنيات، فلا مندوحة لكما من تمثيل دور الجنون، ثم دور البرء منه بعد أن يخرج المشعوذ الشيطان.
ثم أخذ في تمرينهما على تمثيل هذين الدورين، يساعده الخادم الشهم، وقد أتقناهما بسرعة أعجب بها التلميذ، فهنأهما، وأكد لهما بأنهما جديران بأن تعقد عليهما الآمال.
الثاني :
ولكن هل يخدع الأستاذ المشعوذ بهذا التمثيل، على علو كعبه في العلم والتفكير، على ما فهمنا منك؟
هو :
قد يتمرس المرء بالخداع، وتتلبس به نفسه لدرجة يلتبس عليه بها الأمر، فينخدع هو نفسه، ولا سيما إذا مس الانخداع غرورا في النفس، أو جشعا في القلب، أو طمعا يعلق به آماله، ألا ترى من يخدع الناس بالدعاوة للطغاة ينتهي بأن ينخدع هو نفسه بهم؟ ألم يصنع الإنسان الوثن من حجر أو خشب أو تمر بيديه، ثم أخذ يعبده مع العابدين؟ ألا نزال نحن نعبد أوثانا نكونها نحن، ثم ننخطف إليها انخطاف المتصوفين؟! لا يزال الناس غافلين، وعلينا أن نعي أولا، ثم نعيد الناس لوعيهم، فيجدون أنفسهم، فتستمر تقدمية الحياة.
والآن باشرا تدوير الأعين وزمجرا وأتقنا الهذيان، فإنني أسمع سعال الأستاذ وخطواته.
| الفصل الثاني والعشرون
قال الراوي: دخل الأستاذ الجليل - وعلى وجهه أمارات رصانة مضطربة هادئة، ومنكمشة منطلقة، تناقضت فيها المعاني وغمضت: أكان لوضعه في انسياقه لشرهه أثر ما في نفس الملك؟! أم أن تغطيته الصوفية كانت كافية؟ ولا غرابة في تردده، فالمحتال - وهو يعرف نفسه - يظل في اضطراب داخلي لما يخشاه من انكشاف حاله، فكيف إذا ما بدر في تصرفه ما ينذر بظهور الحقيقة وجلائها، ولعل هذا الوضع هو الذي يدفع المحتال ولا سيما إذا كان من ذوي المكانات المرموقة إلى الانكماش حتى التواري في بعض الظروف، وإلى الكبر حتى الغطرسة في بعضها الآخر، وقد يمهر بعضهم في الاحتيال لدرجة يستطيع معها إخفاء كمده وانكماشه، والظهور بمظهر المطمئنين المغبوطين، ولكن أسارير وجهه تدل دائما على ما في فؤاده وسريرته، وإن غالى في إظهار التواضع المصطنع.
وعلى كل، فالأستاذ المشعوذ كان غامضا في رصانته، وما وقعت عيناه على الشباب حتى حياهم مظهرا التغاضي عن شتائم الشابين ووضعهما المجنون، ومبتسما ابتسامة أدرك التلميذ مغزاها، إذ كانت تعبر عن استفهام في جلاء ما وقع، فأجابه: كما ترى يا مولاي، لم أستطع معهما شيئا، فهز الساحر رأسه قائلا: سترى فعل السحر، ثم حدج الشابين بنظرة حادة ثابتة دون أن يكلمهما ودخل إلى غرفته، وما توارى حتى ابتسم الجميع، وكادوا يضجون في الضحك، لولا أن تمثيل الرواية يقتضي شيئا من الرصانة والجدية.
عاد الساحر ومعه كتاب كبير، واتجه نحو الشابين عابسا يدمدم ويتمتم بكلام غير مفهوم، ثم أخذ يهمهم كالرعد مثبتا نظراته الحادة في الشابين وكأنه يحاول أن يرميهما بأسهم من شرر شظايا نار قلبه، كان منظره مخيفا، لولا أن الشباب الواعي لا يخاف، هدأ الساحر برهة وصمت، ثم أخذ يشزرهما بعينين تتهيآن لقتال عنيف، ثم فتح الكتاب، وأخذ يتلو ما فيه من أسماء وتعاويذ، ويرسم الطلاسم ويكتبها، ويندد ويهدد، ويرتفع وينخفض، ويهدأ ويثور، حتى كاد الشابان يكلان وهو لا يكل ولا يتعب ولا يعيا، ولم يكن أحد هنا يفهم منه شيئا حتى ولا تلميذه، إنه لم ينضج - في نظره - بعد ليتلقى سر المهنة.