الملك :
ماذا أصابك أيها الأستاذ الجليل؟
الأستاذ (ولم يظهر عليه أي ارتباك، وكان دائما حاضر البديهة) :
عذرا يا مولاي فإنها حال من أحوال التصوف، وكدت أمزق هؤلاء الخونة بأسناني، لولا أن صرفت الحال بتمزيق هذه الدجاجة، وأشكر الله إذ حماني من جريمة القتل، مولاي لم يئن الأوان، وسيكشف التاج عن حقيقة هؤلاء جميعا، وسنفرغ للخونة المشعوذين، إنهم يريدون أن يفتنوا الشعب، والفتنة نائمة، لعن الله من أيقظها.
الملك :
كنت أتمنى لو ظل البحث هادئا.
الأستاذ :
لا هوادة مع من يحاول إثارة الفتن، وكل آت قريب، إنما يهمني أن أنفذ وصية أستاذك الشيخ الحكيم، فأنقذك من الخونة المنافقين، ولم تكن تلك الفكرات التي يبثها المشعوذ إلا سموما تفتك بالمملكة وتعرض العرش والمليك للأخطار.
اطمأن الملك لا سيما وقد ذكره بأستاذه، فازدادت ثقته بالأستاذ الجليل، فودعه بحرارة وإيمان، وأمر بأن يصحب إلى داره بموكب عظيم.
| الفصل الحادي والعشرون
قال الراوي: لم يدهش التلميذ الشاب عندما دخل عليه الشابان «المجنونان» مكبلين بالحديد، يحرسهما الجند، إنه كان ينتظر حضورهما على هذه الهيئة، وهو لا يخفى عليه أستاذه في مداوراته وفي ترتيبه للأمور.
ناوله الجند رسالة من الأستاذ الجليل يوصيه فيها بإبقاء الشابين مقيدين إلى عودته، دون أن يعلم بوجودهما في الدار أحد، ويؤكد عليه بأن يقوم ما أمكن بتهيئة الجو الملائم معهما ترغيبا وترهيبا.
سر التلميذ لوصية أستاذه، إذ أفسحت له مجال صرف الجنود ليتمكن من التحدث إلى ضيفيه بحرية وانطلاق، وما انصرف الجند، حتى ابتسم لهما ابتسامة ناعمة، فيها معاني المرارة والألم، والحنو والأمل في آن واحد، وكان قد أمسك عن النظر إليهما قبل ذلك، وراعه أن الشابين استقبلا ابتسامته هذه بانكماش وعبوس وحذر، فقال:
هو :
أهلا بكما، قدمتما على صديق يرعاكما، وأظن أنكما لا تجهلان من هو، فلا مبرر للحذر.
هما (معا وبانفعال) :
ماذا تصنع هنا عند هذا المشعوذ؟ أكنت جاسوسا له علينا في حلقة الأستاذ؟
هو :
خففا عن نفسيكما، وأحسنا بشاب مثلكما الظن، وهل يتجسس الشباب؟! قد يكون عينا لمبدأ إصلاحي يعتقد بصحته، ولكنه لا يكون جاسوسا لأحد.
أحدهما (ساخرا) :
فلسفة جديدة، عين لمبدأ وجاسوس لأحد الناس، وما الفرق بين العين والجاسوس؟
هو :
الفرق عظيم، وهو في قولي بين واضح؛ فالعين إنسان مخلص لبلاده وفكرته، يبحث عن الأحوال الخفية، وينبش عن الأسرار الكمينة في الداخل وفي الخارج؛ ليتخذ وضعا نفسيا مستنيرا، يساعده على نصح الملوك والحكام، ويسدد خطاهم في سيرهم، ويصلح تفكيرهم، ويركزه على الواقع، فلا يجنحون في المصالح العامة إلى وهمهم وخيالهم، فلا ينخدع، ولا يخدع الملوك والحكام.
الثاني :
كأني بك تريد أن تقول: إن مجلس الأعيان إنما يتكون من أمثال هذا، وإنك أنت عين من أولئك الأعيان؟!
هو :
ولم تهزأ؟ وهل غريب أن يكون القصد من مجلس الأعيان هو هذا؟ وإذا لم أتشرف بأن أكون من أعضاء هذا المجلس الموقر، فلم تستبعد أن يتحقق معناه في نفسي أو في نفس كل مواطن مدرك عاقل، وقد لا يكون متحققا فيمن يزعمون أنهم أعيان؟ أتريد الأعيان للمراسم والغطرسة والترف؟ أتريدهم للابتزاز والاحتيال، يتجسس بعضهم على بعض مباشرة وبجواسيس مأجورين؛ للنكاية بإخوانهم في الوطن الواحد على حساب طاغية عات أو فاتح مستعمر، إشباعا لشره الرذائل وتسكينا لشهوة النفوذ؟ أم هم لانتباش كل سر دفين يعرض المملكة للخطر؟ ولم وجب أن يكونوا بعيدي النظر في تفهم الأمور وفي تصريفها، حكماء في إبداء الرأي، وفي العمل على تحقيق المشاريع ووضع القوانين؟ وهل يحسن ذلك جاهل غبي؟
أحدهما :
وضح الفرق بين العين والجاسوس، ولكن، لم لا يجوز للشباب أن يتجسس، ونحن نعرف كثيرا من الشبان يتجسسون مأجورين لا لحساب الطغاة الظالمين، أو الوجوه الطامعين من أبناء البلاد وحسب، بل ولحساب أجنبي طامع وعدو متحفز، ومنهم من تصغر نفوسهم في نفوسهم، فيتخذون التجسس لبعض الناس على بعض الناس وسيلة تقرب وتملق، ولا أجر لهم إلا ما قد يأملون من توافه المنافع، وقد لا تكون سوى وهم الوجاهة بالتقرب من الوجهاء وأرباب النفوذ، وقد يصبح هذا الحال مرضا يتبرع فيه الجاسوس بتجسسه، أي بكرامته لحساب الشيطان، فيرتاح في عمل الشر للشر وحسب.