الوزير :
ولكن «أليست أما للرجل وأختا وزوجة تشاطره الحياة نعيمها وبؤسها؟ أليست هي التي تعطف عليه وكثيرا ما تسدد خطاه؟»
الأستاذ (وقد بدت عليه بوادر الانتصار) :
بقولك أخذت، ألا يدل ما تقول على صحة ما ذهبت إليه؟ أليست للبيت، تخدم الرجل ولدا وزوجا وأخا؟ ألا تكون بذلك خادمة للرجل وحسب؟
الوزير :
الله الله! وهل يفهم بالعطف، عطف الأم والزوجة والأخت، وهل يفهم بالتربية، تربية الأم لولدها، خدمة محتقرة على ما تقصد يا سيدي الأستاذ؟ أترى في عطف جلالة المليك على رعيته وفي عنايته بتدبير شئونهم وحمايتهم أنه خادم في رعيته على ما تريدون في مفهوم الخدمة؟ ولعلكم إنما تريدون ما يقصده أولئك البدو في قولهم: سيد القوم خادمهم، لما ينالهم منه من منافع وخيرات!
الأستاذ (وقد احتدم غيظا، فالتجأ إلى الدس والمغالطة) :
أبلغت بك القحة في اتباعك لمنطق البدو الهمج أن تجعل جلالة المليك خادما لرعيته يا أحمق؟
قائد الجيش :
احفظ لسانك واذكر أنك في حضرة الملك، ولا يسمح لي تهذيبي وإجلالي للمليك بأن أقول أكثر من ذلك.
الأستاذ (وقد بدت على وجهه بوادر الغضب) :
عفوا يا صاحب الجلالة، فقد أحرجني الوزير.
الملك (ولم يكن راضيا عما قاله الوزير، ولكنه خشي مغبة الأمر إذا ما استرسل في إرضاء الأستاذ، لا سيما وقد تحفز وزير الميمنة للانتصار لشريكه، وبدت بوادر انقسام الحضور إلى حزبين، في أحدهما القائد، فكظم غيظه وقال) :
مهلا إنما أريدها مناقشة هادئة أو فاصمتوا.
الأستاذ (وقد خشي أن يتغير رأي الملك فيه، وقد عثر) :
إنني أعتذر لحضرة الوزير وليسامحني حضرة السادة، فإنني أجل الملك مما قيل، ولا أعتقد أن حضرة الوزير يعني ما قال، وإنما هي فكرات يبثها في الناس ذلك الفيلسوف المشعوذ، وأخشى منها على كيان المملكة.
المشير الأول :
ما لك ولذلك الفيلسوف وهو يتحمل الفقر والحرمان، ويصبر على تحمل كثير من الأذى؛ ليقوم بنشر فكرة ليست إلا في صالح المملكة، تؤيد العرش وتحفظ الملك.
الأستاذ (وقد أظهر الهدوء لما لاحظ من تهيب الملك للموقف) :
إخواني، أنتم سادة البلاد وأشرافها، وأنتم حكامها وأمراؤها، وإن فيما يقوله ذلك المشعوذ هدما لأمجادكم وتدميرا لتقاليد ما زلنا نرثها منذ أجيال، فنسمح له أن يهدم ما بناه الأجداد من فروق بين الطبقات، أفتريدون أن تخربوا بيوتكم بأيديكم؟ أو يكون غير هذا إذا ما تساوى رعاع السوقة بالأشراف والملوك، والنساء بالرجال، فكروا قليلا، وانزعوا من نفوسكم وهم الديمقراطية، وأنقذوا نفوسكم من سحر هذه الكلمة الهدامة المخربة.
وزير الميسرة :
ليست الديمقراطية على ما تظن يا سيدي الأستاذ، وإنما هي في مفهومها الصحيح أمن وعدالة وحرية وطمأنينة وسعادة، وليست المساواة فيها سوى مساواة في الحقوق الإنسانية، وإن يكن فروق فبالمواهب والأعمال، وفي تحقيق مصالح الأمة ومجد المملكة، وهي تحفظ للملك عرشه وعزته، فلا يهضم لصاحب حق حقه ما دام صالحا يعمل للمصالح العامة دون أن يهمل مصالحه الشخصية، فليست هي الخطر على المملكة، وإنما الخطر كل الخطر في أن يظل الشعب شاعرا بحقارته وذله، لا يجد الجو الملائم لنشاطه وسيادته.
وهنا احتدم الجدال بين الحضور حول مفاهيم الحرية والحقوق والواجبات والنظام والفوضى، وفيما إذا كانت المرأة إنسانا أو نوعا آخر من المخلوقات، وكان وجود جلالة الملك - وقد أراد هذا النقاش لغرض في نفسه - مهدئا نوعا لشدتها ومسكنا لحدتها، إلى أن أضاعت تلك المناقشات صواب الأستاذ، فاستيقظت في نفسه غريزة الشره وقد وقعت عيناه على دجاجة أمامه كالعكة، فنسي مقامه وتصور نفسه في داره فريدا أمام خوانه، فأمسك بها وأخذ يقطعها بأسنانه تقطيع الوحش النهم، فملأ فمه بلحمها وشحمها، وأغرق ثيابه بدهنها، وأفسد ما على المائدة من ترتيب، فدهش الجميع وكادوا يسترسلون في الضحك لولا هيبة الملك، فذهب صاحب الجلالة بضيفه إلى داخل القصر ليبلد له ثيابه، وانقض الناس على مائدة لم تنته بعد من تقديم ألوانها.