تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

و :

ولعلك إنما جئت لهذا قبل الموعد اليوم، فأنا لا أشك بدهائك وحكمتك، وقد نعمت بآثارهما، وقد اشتد الآن اعتقادي بصدق فراستك، فاستمع لما جرى: لم أكد أختلي بنفسي بعد ذهابك أمس، حتى انبعثت منها في داخل كياني تيارات متعاكسة متجاوبة كانت تتجاذبني، فتميل بي تارة ذات اليمين، وطورا ذات اليسار، ولا أنكر عليك أن الشك والتردد كانا في صميم هذه المعركة، فتيار كان يذهب بي مذهب النقمة على من يفكر بالثورة على ذلك الوالد المسكين، وهو من أحب وأحترم بكل ما في الحب والاحترام من معان وتضحيات، وتيار كان يجرفني نحو الثائرين أعطف على حركتهم بل أتبناها، وكان بين التيارين تجاوب وتفاعل، استقر معهما رأيي على أن أجتمع بجلالته، وأحاول رده إلى الصواب، دون أن أخون ذاتي بفضح السر، كن واثقا، فإنني عاهدت وما فكرت على الرغم من تيار النقمة في أن أنكث العهد، فشكرا لله ، ثم شكرا.

ولم يستقر رأيي على ما عزمت عليه، حتى وجدت نفسي بين يدي جلالته في خلوة يندر أن أجده فيها، لأن حاشية السوء ذكية، لا تترك له مجالا يمكنه فيه أن يختلي بنفسه، ولكن ما كان أشد دهشتي، وقد رأيتني أمام صخرة لا يتفجر ماؤها، وما كان لتلطفي وحنوي وتذللي أي تأثير على موقفه من شعبه، فهو يرى الشعب بقرة حلوبا، يجب أن تدر عليه ما يشبع زهوه وترفه هو وخاصته وأتباعه، وإذا ما قصرت في درها ولو لمرض أصابها، فهي العاقة لمليكها، وعليها تقع تبعة حرمانه ومن معه من مقومات الزهو والترف.

لم يستول علي يأس، وقد وجدت لديه رعاية الوالد وحنوه في تلطفه، وفي محاولة ردي عما أعتقده في وثبتي هذه، لكن دخول بعض خاصته دون استئذان طبعا، وقد رفعت بينه وبينهم كل كلفة ومراسم أوقعني في يأس وقنوط، فقد كان هؤلاء عند شداد الملك المغتصب، وعادوا يثنون على حفاوته وتعهده بحماية العرش إذا ما ثار الشعب، فهم يحسبون للثورة إذن حسابها، ويتآمرون مع المغتصب على شعب رفعهم إلى أرائك الحكم، ولما قلت: إن للشعب حقوقا تجب مراعاتها، أجابني البعض: ليس للشعب إلا السوط، ولم يرد عليه أحد، وكدت أحاول أن أضع على رءوسهم جميعا السوط؛ لأنهم أجدر به، ولكني خفت على الثورة من رعونة الطيش.

وهنا تنهد الأمير والشرر يتطاير من عينيه، وقال: أعرفت سبب زهدي بالعرش؟ فإن عرشا لا ترفع إليه المرء أفئدة الأسياد، في شعب سيد، ليس بعرش أبدا، وإنما هو سجن الأسير، وفي وضع كهذا، يكون التساوي متحققا بين الحاكم والمحكوم سيادة وتحررا وحقوقا.

وما بلغ الأمير هذا الحد من حديثه، حتى رأى الحكيم يسجد لله شاكرا، وعيناه ترطبان الأرض بالدموع، ثم التفت إلى تلميذه الشاب باسما، وخاطبه بقوله:

ح :

إذا أذن الله بأمر يسر أسبابه، وقد أردتك مؤيدا للثورة، فإذا أنت تتحول ثائرا يهيأ لقيادتها بوحي ذاتك وفاعليتها وبملاءمة الحوادث، فنالت بك الثورة أكثر مما أملت، فشكرا للإله الحكيم، وقد كنت قد عجلت في مجيئي قبل الموعد وقلبي يحدثني بأن أجدك هنا لأطلب منك الاتصال بجلالة الملك ومحاولة إقناعه، لا لاعتقادي بجدوى العمل، ولكن لتطمئن نفسك. ولا تخش الشك، فالشك أصل اليقين، فالمهم في منطق الحركة هو أن تتحقق ثائرا بروحك ولا فائدة في الافتعال، وللثورة ككل كائن حي روحية، بها قوامها، وهذه لا تتحقق إلا بشروط، أولها إيمان يتفاعل معه العقل على ضوء الخبرة، وقد هداك ضميرك وإخلاصك إلى خبرة واقعية جعلت فيك العقل يتفاعل تفاعلا طبيعيا مع إيمان لا يتزعزع، وقد أشع نوره في قلبك بعد شك عفوي لا تصنع فيه، وثانيهما السمو بالأهداف إلى مبادئ عامة، لا يكون معها قصد انتقام من أحد، ولا إرادة جر منفعة إلى غيره، فالثورة لا تكون لخلع ملك ولا لتولية آخر، وإنما تكون لأهداف إصلاحية سامية تشمل الجميع، وهذا ما يخرجها عن مفاهيم الشغب والعصيان، ولذلك كان من نعم تفاعلها في نفسك زهدك بالملك، وثالث الشروط - وأرجو أن يتحقق في ذاتك مع ما سبق - أن تكون الثورة إنسانية، فتحاول حقن الدماء دائما، وإذا ما سمحت به فبأقل مقدار يمكن، فلا يصح أن تصبح الثورة مجزرة بأي حال، وإلا فهي ثورة فاشلة تشتبه كثيرا بالشغب والعصيان، وهذا ما نحاول، وستتحققه بذاتك في أول اجتماع آن وقته بعد أن أرخى الليل سدوله، فلنذهب.

هذا التاج · الصفحة ٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

هذا التاجص ٢٥