تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ح :

روح الثورة بركة ويمن، إنها تحفظ في الأمة روح المقاومة، فلا تستكين ولا تذل، أما الشباب فيخدع من يعتقد أنه سن الشباب، إن ما يدعونه الشباب إنما هو الدور الذي تتكون فيه روح الشباب في الإنسان لتستمر مدى الحياة، ولا تخبو نار شباب حسن تكوينه، وأما ثورتك على أبيك ففيها رحمة به وبر، بعد أن تعذر إقناعه بالعدول عن الاستهتار بشئون الرعية وعن اتباع أقوال المغرورين من الخونة المتآمرين لمصلحة المسيطر الطامع اللئيم، وإليك الآن تفسير حلم أبيك؛ فالثورة قائمة ولا بد، وهذا ما رمز إليه الأسد، وإنك قائدها بلا ريب، ويداك وقد ظهرتا في الخلاء هما اللتان تحفظان على والدك حياته، فتكتفي الأمة بخلعه، وهذه هي الحفرة، وتكون أنت الملك، وهذا ما يعنيه ردك لأبيك باليد الأخرى، فكن برا بأبيك متى ظفرت، فتصبح البار بوطنه وبأبيه.

و :

ومن يكونون هؤلاء الذين يدبرون الثورة؟ وكيف ألتقي بهم؟

ح :

غدا أجمعك بهم، وفي مثل هذا الموعد، فإلى اللقاء.

| الفصل الثالث عشر

قال الراوي: كاد الملك يتنبه لواقعه، وهو أمام نافذة القصر، وكاد يعود لذاته في اضطرابها مما حدث، لولا أن ذكرى عودة الشيخ الحكيم الوقور قد أبقته في مقعده في الحديقة، يتخيل نفسه بين يديه وليا للعهد، يستعجل لقاء من يدبرون الثورة على أبيه الملك.

كان وصول الشيخ قبل الموعد الذي سبق وقرر، فقطع على ولي العهد بهذه المفاجأة سلسلة تخيلاته وتصوراته، وبادره بقوله: كيف كانت ليلتك أمس يا صاحب السمو؟

و :

أراك تترسم في عبارتك معي اليوم، فلم لا تقول يا بني على عادتك؟

ح :

رأيت تبدلا في تلاميح وجهك ونظراتك، يدل على وضع جديد، فيه كل عزم وجد، وهيأة نفسية حازمة تتسامى إلى العلاء، فأخذتني هيبة الملك، وكدت أقول يا صاحب الجلالة.

و :

بالله عليك لا تسخر بي أيها الرجل الحكيم، بعد أن أحييت موات نفسي، وولدت فيها ذاتا جديدة، تشعر أنها من روح الشعب لا من روح ذلك الملك العنيد، وكأني قد ولدت ولادة ثانية بعد أن سمعت وبعد أن رأيت، كن واثقا أنني أصبحت أزهد الناس بالملك، وإذا اشتد لهيب نار الثورة في نفسي، فلأساهم في إنقاذ الشعب كفرد من الشعب، سواء أبقي العرش أم انهار على رأس صاحبه، المهم أن ينقذ الشعب، وأن أحيا معه إن كان لي حظ في بقاء، كفرد من أفراده، يتمتع بالكرامة والعزة والتحرر، وإذا قدر لي الاستشهاد، فأكون ممن سعدوا بترك هذا العالم الفاني على أحسن ما يكون عليه المرء في محافظته على كرامته وإبائه وحريته، ليست الكرامة والعزة والتحرر في أن يكون الإنسان ملكا أو ولي عهد الملك، وإنما الكرامة والعزة والسؤدد والتحرر في أن يحيا الإنسان فردا سيدا في أمة سيدة، تشعر بالكرامة والعزة والسؤدد والحرية وتتمتع بها.

ح :

أهلا بك يا بني الحبيب، والله ما أجزت لنفسي أن أهزأ بك يوما ولا أجيز، فأنت مني كنت - ولا تزال - موضع كل عناية وكل تقدير وأمل، ولكنه بريق هيبة الملك قد لمع في وجهك ، وأشعة نورانية أمجاد الملوك قد انبثقت من عينيك، فتوهمت أن ما اصطلح عليه الناس بالملك، وأنت المهيأ لاعتلاء عرشه، قد انعكست أنواره على وجهك، وامتزجت بذلك مظاهر الجمال بالجلال، فما أسعدني وقد أدركت من بيانك أنك قد تملكت ذاتك، وسيطرت على نفسك، فأصبحت ملكا بالفعل وبالواقع لا بالوهم والاصطلاح، فكم من ملك في أعين الناس هو عبد في عين ذاته، وكم من الملوك من غرهم العرش وما يلابسه، وكانوا عبيدا أذلاء في عين الحقيقة، وفي تلك النظرات الخاطئة شقيت أمم وتشقى شعوب، وتهدمت مدن وانهارت حضارات، وتتهدم وتنهار إلى أن يفيء الناس إلى حقيقة ذاتهم الإنسانية، فيدركون في خفايا نفوسهم سواء أكانوا من السوقة أو من الصفوة والملوك، ما أدركته أنت - وفي كيانك نفحات ما اصطلح عليه الناس بالملك وأمجاده - بأن الملك الحقيقي في واقع التسامي في مفاهيم الحياة، إنما هو في تملك الذات، وفي السيطرة على النفس قبل كل شيء، إذ بذلك تدرك حقيقة الحياة، فأهلا بك يا بني مرة ثانية، ولكن قل لي: ماذا سمعت بعد أن تركتني أمس؟ وماذا رأيت؟

هذا التاج · الصفحة ٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

هذا التاجص ٢٤