وبعد أن فتح الله على نبيه -صلى الله عليه وسلم- مكة اجتمع خلق كثير من هوازن وثقيف في وادٍ يقال له: حنين بين مكة والطائف مع أميرهم مالك بن عوف النصري، فاجتمع معه من جشم وسعد بن بكر خلق كثير، وكمنوا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، فلما دخلوا هذا الوادي انهالت عليهم النبال كأنها مطر تزعزعه الريح، فانهزم الذين مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكانوا يزيدون على اثني عشر ألفاً، وما بقي معه إلا عشرة نفر فقط، وتضعضع الباقون، وكان يدعوهم -صلى الله عليه وسلم-: ((إليّ عباد الله))(1)، ويستقبل المشركين بصدره -صلى الله عليه وسلم- وبوجهه، وهو على بغلةٍ لا تحسن الكر والفر، ويقول: ((أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب))(2).
وكان مالك بن عوف النصري قد أخرج النساء والأطفال والأموال من الإبل والبقر والغنم من أجل أن يموتوا دون نسائهم وأموالهم، ثم بعد ذلك أظفر الله -عز وجل- نبيه -صلى الله عليه وسلم- بهم، فجاءه رجل من ورائه وهو شيبة بن عثمان الحجبي، وكان رجلاً من المشركين -من أهل مكة- خرج ليقتل النبي -صلى الله عليه وسلم- غيلةً، فأوحى الله إلى نبيه -صلى الله عليه وسلم-، واطلع على ذلك، فالتفت إليه، ثم أخذه -صلى الله عليه وسلم- فمسح على صدره، فصار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحب الناس إليه، وثبت مع هؤلاء العشرة.
(1) - السيرة النبوية لابن كثير (ج 3 / ص 44).
(2) - أخرجه البخاري في كتاب فضل الجهاد والسير - باب من قاد دابة غيره في الحرب (2709) (ج 3 / ص 1051) وفي باب بغلة النبي -صلى الله عليه وسلم- البيضاء (2719) (ج3 / ص 1054) وفي باب من صف أصحابه عند الهزيمة ونزل عن دابته واستنصر (2772) (ج3 / ص1071) وفي باب من قال: خذها وأنا ابن فلان (2877) (ج 3 /ص 1071).