تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

غزوة الأحزاب وموازين القوى في الجزيرة العربية:

في غزوة الأحزاب تغيّرت موازين القوى في الجزيرة العربيّة، لأنّ روح الجهاد وحركة الجهاد تُعيد ترتيب الأوضاع حسب مفهومٍ إيمانيّ، فإذا سَرَت روحُ الجهاد وحركته، في قومٍ أذلاّء محتقرين، فبالجهاد تنقلب الذّلة إلى عزّة، والاحتقار إلى احترام وتقدير، ولا يمكن وجود أمّة من الأمم فيها النّجاح والعزّة إلاّ وروح الجهاد تسري في جميع أوصالها.

والآن كيف غيّرت غزوة الأحزاب موازين القوى في الجزيرة العربيّة؟.

الشوكة من النكاية إلى التمكين:

ابتداءً علينا أن نعلم أنّ النّصر الكبير الضّخم مجموعة من سلسلة انتصارات صغيرة، ولا يمكن أن يقع شيء في مجال النّصر والهزيمة بصورة طفرةً مفاجئة تباغت المنتصر أو المهزوم، إذ الطّفرة التي لا مقدّمة لها لا وجود لها إلاّ في عقول مشايخنا وقادتنا فقط، فإنّهم يحملون في كلّ ما يقولون ويرتّبون لضربة يحضّر لها تحضيراً تامّاً وكاملاً، بعيداً عن أعين الخصوم وبهذه الضّربة المفاجئة المباغتة نقضي فيها على الخصوم، وبها نتجنّب الكثير من الدّماء التي تراق، والأرواح التي تزهق، ومشايخنا يدندنون على هذه الفكرة كثيراً، وعلى ضوئها يتراجعون عن الصّراع تحت شعارات التّربية والإعداد، وهذه الفكرة تجد صدىً وقبولاً في النّفوس، لأنّها جميلة جدّاً، ورائعة جداً، وورديّة جدّاً، وهي مع ذلك كلّه هشّة جداً جداً، أمّا أنّها جميلة وورديّة، فكيف لا تكون كذلك وهي تقدّم للإسلاميين النّصر والعزّة والسّؤدد على طبق من ورد؟ ثمّ كيف لا تكون ورديّة وهي من صنع أوهام الحالمين، والحلم عندما يختلط في ذهن المرء مع الحقيقة فإنّه لا يناقش مناقشة العقلاء، والأذكياء.

إنّنا نحلم بترتيب رفيعٍ جدّاً لشوكةِ التّمكين دون المرور بشوْكة النّكاية، وهي الشّوكة التي يقع فيها: ﴿إن تكونوا تألمون فإنّهم يألمون كما تألمون﴾، ويقع فيها: ﴿يقاتلون في سبيل الله فيَقتُلون ويقتَلون﴾، وهذا مع عدم إمكانيّة حدوثه فإنّه يفرز ولا شكّ فِقهاً أعوجاً، وأحكاماً فاسدة، وما هذا الفقه الذي نسمعه من مشايخنا من جواز التّعدّديّة السّياسيّة، وجواز التّداول على السّلطة، وعدم جواز الجهاد الهجومي، وجواز تولّي الكفّار المناصب السّياسيّة والعسكريّة والقضائيّة في الدّولة الإسلاميّة إلاّ بسبب هذا الحلم الفاسد الناشئ عن تُخمةٍ مردّها خلط الأفكار غير المتجانسة، وتفسير هذا: أنّ واقعنا بسبب عوامِل البناء الشّيطانيّ فيه قد امتلأت جوانبه بالشّرور، وأصابت الأمل الإسلامي بالإحباط، فحين يأتي الشّيخ ليعالج هذا الواقع بهذه التّركيبة بأحكام فقهيّة، فإنّ هذه المعالجة وعلى ضوء هذا الواقع ستجعله يتنازل عن كثير من (تشديدات السّلف كما يسمّيها)، إلى ميوعات الخلف (اعتدالهم كما يسميها)، وهذا لأنّه تمّ له التّمكين دون تحضير أرضية التّمكين بما يناسبها، وهذا التّحضير لا يقع إلاّ من خلال شوكة النّكاية، لأنّنا حين نصل إلى التّمكين مروراً بالنّكاية، نكون بفضل الله تعالى قد نظّفنا الطّريق من كلّ أوساخها وقاذوراتها، (ليس كلّ الأوساخ والقاذورات، بل رؤوسها إن شاء الله تعالى) بشوكة النّكاية المتكرّرة، يترقّى الحقّ في نفوسنا ويتجذّر، وتذهب زهومة الأفكار الفاسدة، ويتجذّر بُغضُنا للباطل وبُغضُ الباطل لنا، وبشوكة النّكاية نقطف الرّؤوس التي حان قطافها، فلسنا على استعداد (بتاتاً) لنقاش سفسطائي تفوح منه رائحة الهوى والشّرك، ولسنا على استعداد (أبداً) لحوار يبتسم خصومنا لنا فيه فنظنّ فيهم خيراً، فيدفعنا هذا الظّنّ إلى تقسيماتٍ ما أنزل الله بها من سلطان، ولسنا على استعداد (ونحن نمارس شوكة النّكاية) إلى التّحالفات الشّركيّة الباطلة. خلال شوكة النكاية يتّخذ الله منّا شهداء، فترتفع أرصدة الجماعة المجاهدة في خانة الصّدق وحبّ الله، وحبّ الرّسول صلى الله عليه وسلم، والبراءة من المشركين.

خلال شوكة النّكاية نتعلّم كيف لا نخاف من الدّم، وكيف نُتقن الذّبح، وكيف نُتقِن اقتحام الحصون المنيعة.

من خلال شوكة النّكاية نتعلّم الصّبر على فقدان الأحباب، ونتربّى على بذل الأرواح في سبيل هذا الدّين.

_والاجتهاد_تأملات_في_المنهج · الصفحة ١٣٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

_والاجتهاد_تأملات_في_المنهجص ١٣٠