تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قلنا إنّ هذه الموجبات منشؤها الجهاد، وحركة الجهاد ومسيرة الجهاد. فالجهاد بصفته مبدأً وعقيدةً أنشأ في نفس المسلم الصّحابيّ بغضاً للكفر وأهله، إذ أنّ المرءَ لا يندفع بقوّة كافية للقَتل والقِتال إلاّ بعد أن تمتلئ نفسه بالبغض والكره لخصمه، وقد بغّض القرآن الكريم الكفر والكافرين لأتباعه ورجاله، ودفعهم بكلِّ ترغيبٍ إلى مصادَرَة حياة الخصوم .. ﴿ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم﴾ .. ﴿قاتلوهم يعذِّبهمُ الله بأيديكم﴾ .. ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ .. ﴿واقعدوا لهم كل مرصد﴾، ولولا مبدأ الجهاد وعقيدة الجهاد لما أمكن أن تصل النّفس المسلمةُ إلى درجة البراءة المطلوبة ضدّ المشركين، فمبدأ البراء من المشركين يعبَّأُ ثمَّ ينفَّذ من خلال الجهاد في سبيل الله .. ثمّ بسبب الجهاد اكتشف الرجل النّقِيُّ الطَّاهر الوفيّ خبث الشَّريك والحَليف، وأنه لا يستحقُّ حِلفه لأنّه خائنٌ، وما كان للنَّفسِ اليهودية أن تَظهَرَ على حقيقتها إلا بهذا الظَّرف المُلتهب وهو غزوة الأحزاب، إذ أنّ الفتنة تكشف الصادق في كلماته، والكاذبَ في دعواه، فكان الجهادُ في غزوةِ الأحزاب كاشفاً للحقائقِ النَّفْسيةِ لهذا الحليف الخبيث، وكم هي مؤلمةٌ أن يكتشفَ الطَّاهر الصَّادِقُ كَذِب وتزييف المدَّعي!! إنَّها لمؤلمة حقاً أن يكتشف سعدٌ بن معاذ أنّ حلفائه كذَبةٌ فَجَرة ينقُضُون العهودَ والمواثيق بلا حساب أو وَخْزةِ ضمير، وعلى هذا فسيكون عقاب هذا الرجل شديداً على من خَدَعَهُ. وهكذا كان حكم سعد بن معاذ رضي الله عنه. إنّ الجهاد بصفته مبدأً وعقيدةً أنشأ عقيدةَ البراءِ من المشركين، وبالتالي دفع الصحابة لقتل أعداء الله، وإنَّ الجهاد بصفته حركةً وسلوكاً كشَف للصحابة مِقدار خبثِ العدوّ، وبالتّالي ذهَبَتْ كلّ أعذار المعوِّقين بأن هناك مجالاً طيّباً في نفوس أعداء الله يمكن أن تستغل في الدّعوة إلى الله.

ولقد رأيت لبعض المعتوهين ممّن ينتسبون للفكر الإسلامي!! معالجةً غريبة لحكم سعد رضي الله عنه، حيث ذهب هذا المعتوه إلى القول: "إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحكم على اليهود هذا الحكم لأنّه يناقض مبدأ الرّحمة والإحسان الذي بُعث به، ولذلك ترك الحكم لسعد بن معاذ، ليكون حُكْماً لسعد لا لرسول الله صلى الله عليه وسلم"!!، ولكن أين ذهب هذا المعتوه من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لحكم سعد: ((لقد حكمت فيهم بحكم الله فوق سبعة أرقعة)).

مات سعد ..

فما الذي حدث عند موته؟ وماذا حدث في جنازته؟.

عندما مات اهتزّ له عرشُ الرحمن حزناً عليه أن لا تصعد إليه الأعمال الصالحة من سعد .. واهتز له فرحاً بقدوم الروح واستقرارها معلقة بالقناديل الخضر المعلقة فيه ..

أما في جنازته فقد مشى رسول الله صلى الله عليه وسلم على رؤوس أصابعه لكثرة ما كان من الملائكة في المشيّعين!.

فهكذا رجال الجهاد يحيون، وهكذا يموتون ..

_والاجتهاد_تأملات_في_المنهج · الصفحة ١٢٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

_والاجتهاد_تأملات_في_المنهجص ١٢٩