تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان وادي النطرون يخيم على ربوعه السكون والطمانينة طول حياة القديس مقار، لأن البربر لم يشنوا غاراتهم على هذا الوادي إلا بعد وفاته. ومع أن هذا القديس لم يشهد هذه الحوادث فقد رووا أنه تنبأ بها قبل وقوعها وبالخراب الذي سيحل بهذه المنطقة.

وكان الرهبان في الأيام الأولى من قدومهم صحراء النطرون يقيمون في مساكن غير محمية بأي نوع من أنواع الحماية كما سبق ذكر ذلك. وقد يحمل هذا الأمر على الاعتقاد بأن السكينة في هذه الصحراء كانت تامة شاملة. ومع هذا فقد يحتمل أيضا أن هذه الصحراء كانت هادئة آمنة قبل قدوم الرهبان اليها، إذ كان لا يوجد بها من الغنائم ما يجعل البربر يطمعون فى غزوها. وفعلا لم يشن هؤلاء غاراتهم عليها إلا بعد قدوم الرهبان اليها وكثرة عددهم بها. وعلى أى حال لم يمض وقت قليل على وفاة القديس مقار حتى بدأ البربر يشنون الغارات عليها.

ويمكننا تعيين أول غارة شنوها على هذه الصحراء من سيرة القديس أرسانيوس الشماس الذي تنسك في برية شيهات. فقد جاء في كتاب (قديسو مصر ج 2 ص 199) في موضوع من سيرته أن أرسانيوس هذا توفى عام 445م. وجاء في موضع آخر منها أنه قضى قبل وفاته عامين في دير طرا، وقضى قبلها ثلاثة في جزيرة كانوب، وعشرة في دير طرا نفسه، وأنه قضى هذه الاعوام كلها بعد الغارة الثانية للبربر التي وقعت بعد غارتهم الأولى بعشرين عاما.

فتكون أول غارة لهم على وادي النطرون قد حدثت قبل وفاة القديس أرسانيوس بخمسة وثلاثين عاما أي سنة 410م عندما كان تيوفيلس “Théophile”

بطريركا. وتيوفيلس هذا هو البطريرك الثالث والعشرون من عدد البطاركة (385-412).

وان تعييننا غارة البربر الأولى في سنة 410م جاء مطابقا لتقدير أميلينو “Amélineau”

لها. فقد ذكر في مقدمة كتابه (تاريخ أديرة مصر السفلى ص 60 و61) ما ذهب اليه كاترمير “Quatremere”

من وقوع هذه الغارة في أواخر القرن الرابع الميلادي ثم دحضه بالكيفية الآتية فقال:

لوأن هذه الغارة وقعت فعلا في أواخر القرن الرابع الميلادي لكان قد علم بها بوستيميانوس “Postumianus”

الذي زار صحراء شيهات في عام 402م. فقد حدثنا هذا عن أعجوبتين حدثتا داخل دير يوحنا القصير في الموقع عينه الذي تحولت فيه عصا سيده أموى “Amoi”

إلى شجرة الطاعة بعد أن سقيت ثلاث سنوات. وليس في حديثه هذا أي دليل أو ما يلمح منه أن صحراء شيهات كانت في هذه المدة مهجورة أو متخربة. ا.ه.

ثم قال أميلينو أثناء الكلام على فرار يوحنا القصير ووفاته في كليسما (القلزم) “Clysma”

بجوار السويس ما نصه:

وعلى حسب ما ذهب اليه كاترمير لابد أن تكون قد حدثت غارة أخرى للبربر كانت سببا في فرار يوحنا. ولو أخذنا في ذلك برأي تيلمونت “Tillemont”

لما كانت تقع غارة أخرى قبل سنة 430 أو 434م الأمر الذي يسير بنا بعيدا.

ويتتضح مما تقدم أن أميلينو يرى تعيين غارة البربر الأولى بين عام 402 وعام 430م مع أن غارتهم الثانية حدثت في هذا التاريخ الأخير كما سيأتي ذلك فيما بعد. ولعل هذه الغارة هي التي آشار اليها تيلمونت.

ويظهر أن الرهبان رحلوا جميعا من الصحراء عند ظهور البربر فيها المرة الأولى في سنة 410م. ولم يبق بها على الترجيح سوى القديس أرسانيوس الذي أقام في الجبل وحده فظل هناك وتوكل على الله وهو مازال يردد هذه العبارة: (إن عناية الرب تشمل الجميع وما من أمر يحدث إلا بمشيئته. فلو كان الله قد أراد التخلي عني فلماذا اتمسك بالحياة).

وروى أن القديس أرسانيوس كان يمر بعد ذلك بين صفوف اللصوص المسلحين دون أن يشعروا به لأن الله يخفيه عن أبصارهم.

وبعد مضي عشرين عاما من هذا التاريخ وقعت الغارة الثانية للبربر أي سنة 430م في عهد كيرلس الأكبر البطريرك الرابع والعشرين (412-444). وقد ترك أرسانيوس في هذه المرة مكان نسكه وانسحب إلى دير طرا حيث أقام إقامته الأولى التي ظلت عشر سنوات.

وادي النطرون: ورُهبانه وأديرته ومختصر تاريخ البطاركة · الصفحة ٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

وادي النطرون: ورُهبانه وأديرته ومختصر تاريخ البطاركةص ٩