تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا بد أن القارئ قد لاحظ من وصف هذه المجاميع الأربع أنه ذكر في كل مجموعة منها دير من الأديرة الأربعة السابقة التي ذكرت بدون أسماء في سيرة حياة البطريرك داميانوس وذكرت بأسمائها في مخطوط الفاتيكان المسطر بالقبطية في سيرة حياة يوحنا كاما وهي: أنبا مقار، وأنبا يوحنا القصير، وأنبا بشوى، والبراموس.

ولا ينبغي مع ذلك أن يظن القارئ أن هذه الأديرة الأربعة كانت مشيدة بالحالة التي نراها عليها الآن، لأنها لو كانت كذلك لما استطاع البربر أن يرتكبوا ما ارتكبوه من الفظائع سواء أكان ذلك في عصر البطريرك داميانوس أم في عصور البطاركة الذين أتوا بعده، ولما كانت هنالك من حاجة إلى أن يتعلق الرهبان بأذيال الفرار أمام أولئك القوم الرحل، وكان غاية ما في الأمر أن يدخلوا حصونهم ويوصدوا أبوابها عليهم وبذلك يأمنون هجمات كل مغير مفاجئ.

هذا، ومن ناحية أخرى فان عدد هذه الاديرة الاربعة يتنافى مع عدد الرهبان الذين كانوا في ذلك العهد. فان عددهم كان قد بلغ 3500 راهب، وهو عدد لاتتسع له مباني الأديرة الأربعة المذكورة بلا ريب. فهذه الاديرة الاربعة المسماة بأسماء منشئيها إنما كانت على ما نرى أديرة مركزية أقيمت حولها أديرة أخرى تابعة لها. فالصحيح أنها كانت مبنية على الطراز الذي كانت تبنى عليه الاديرة في عهدها الاول وبالكيفية التي سبق إيضاحها. وهذا ما يكشف لنا الغطاء عن السر في فرار ساكنيها لدى وصول البربر. ولاتقائهم شر هؤلاء أقيمت فيما بعد أديرة كالتي نشاهدها اليوم ليعتصم بها ساكنو الأديرة الاولى التي تتألف منها المجاميع الاربع السالفة الذكر.

ويبدو أن أولئك الرهبان كانوا موزعين على هذه الأديرة بحسب جنسياتهم لأننا نرى أديرة خاصة مسماة بأسماء أجناس ساكنيها مثل السوريين والارمن والروم والحبش.

وكانت هذه الاجناس الاربعة دون الاقباط تمد الاديرة بمن يعمرها، وعندما انقطع هذا المدد أدركها الفناء والخراب.

بقى علينا بعد ذلك مشكلة يلزمنا حلها وهي معرفة التاريخ الذي شيدت فيه هذه الاديرة التي نراها بشكلها الحاضر قائمة مثل القلاع. وهذه المشكلة وإن كانت معالجتها صعبة إلا أني ساحاول ذلك بقدر الامكان. (2) بعد الفتح العربي

لقد سبق القول إن البربر استولوا في عهد البطريرك شنوده الخامس والخمسين (سنة 859-881م) على كنيسة القديس مقار والابراج فقط دون ديره ونهبوا جميع محتوياتها، ثم بعد أن اقترفوا مساوئ أخرى استقر الأمن فأصلح هذا البطريرك الدير المذكور وأحاطه بسور منيع حتى يكون الرهبان والمسيحيون من ورائه في مأمن من غاراتهم. ولم تقتصر إصلاحات البطريرك شنوده على هذا الدير وحده بل امتدت إلى أديرة أخرى كما بينا ذلك آنفا.

وبعد هذا التاريخ لم نعد نسمع عن حدوث سلب أو نهب من جانب البربر كما كان يحدث سابقا. فمن المرجح أن هذه الفوائد التي عادت من وراء هذه التدابير كانت سببا في تعميم وقاية الاديرة بهذه الجدران المنيعة والشروع في تجديد بناء الاديرة الاخرى على هذا المثال. وفوق ذلك فأن كافة الاديرة القائمة في عصرنا هذا، يوجد بداخل أسوارها أبراج. ومن المرجح أنها هي الابراج القديمة التي سبق ذكرها. ومن بين هذه الاديرة الباقية إلى الآن دير القديس مقار وبرجه وكنيسته التي سبق ذكر استيلاء البربر عليها. وبالطبع لم يحدث هذا التغيير في طراز الاديرة دفعة واحدة بل حدث بالتدريج على ممر الايام.

ويؤيد ما ذهبنا اليه ما رواه أرمانيوس رئيس الكهنة في مذكرته حيث قال إن عدد الاديرة في عهد البطريرك شنوده المذكور كان سبعة وهي: دير (السيدة) براموس، ودير الانبا مقار، ودير يوحنا القصير، ودير الانيا بشوى، ودير يوحنا الاسود، ودير السوريان، ودير الأنبا موسى.

وقد ذكر المقريزي أن هذا الدير الأخير: هو دير البراموس وأن منشئه يكنى بالاسود. ويؤيد ما ذكره المقريزي ما أورده كونبرج في كتابه (بحث عن رهبان مصر) ص 122 إذ قال دير البراموس المذكور كان يسمى أيضا دير موسى الاسود، وإن موسى الاسود هذا كان رئيسه.

وادي النطرون: ورُهبانه وأديرته ومختصر تاريخ البطاركة · الصفحة ١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

وادي النطرون: ورُهبانه وأديرته ومختصر تاريخ البطاركةص ١٨