منها؛ إذا هي قَبِلَتْ مبدأ التنازل و لو عن خيط واحد من حجابها، و شيئاً فشيئاً، و خيطاً بعد خيط، سيكون الحجاب و السفور شيئاً واحداً.
و هذا هو الذي قصد إليه أولئك اليهود عند الصائغ، فلمّا لم تُجْدِ محاولاتهم في الإقناع و التبرير و التضليل؛ عَمَدَ أخبثهم إلى عقد طرف ثوبها إلى ظهرها؛ لتنكشف سوءتها، منجزاً بالغدر ما عجز عنه و أقرانه بالاحتيال و المراودة، ليشفي بذلك غليله و غليلهم.
و هذا حالهم في كل زمان و مكان إلى يومنا هذا، فتراهم لا يجابهون النساء بالتخلي عن كل مظاهر الستر و الحشمة دفعة واحدة بل يراودنهن عن حجابهن خيطاً خيطاً، فيبدؤون بأمر بسيط مثل كشف الوجه، فإن تساهلت المسلمة، و تنازلت، و تم لهم ما أرادوا؛ انهالوا عليها بشتى ألوان مساحيق الزينة و ماشابها لتغطي بها ما أظهرت من وجهها، فإذا تم لهم ذلك أيضا وصفوا لها أجمل الأزياء الكاشفة و الواصفة، و لن يرضوا إلا بانكشاف العورات تماماً كما فعلوا مع تلك المسلمة في سوق المدينة المنورة، و هكذا عوداً فعوداً تأتي المغريات، و عوداً فعوداً تكون التنازلات، حتى ترى العاريات الكاسيات يدعين أنهن مسلمات.
و اعلموا أن غَيْرَة مسلمةٍ واحدةٍ على دينها و تشبثها بالفضيلة و عدم انخداعها بمكر المضلِّين، كانت سبباً في فضح اليهود، و إجلائهم من المدينة المنورة، و أخذ أموالهم، و إذا قارنّا هذا بحال المسلمين اليوم و هوانهم على الناس من اليهود ... و غيرهم من الأمم، عرفنا أن المسلمين قد قدموا الكثير من التنازلات في دينهم، بعد أن انطلت عليهم ضلالات المضلين و أعوانهم.
و إن نظرة متأملة لحال المسيحيين في الأرض تكشف عن فعل المضلين فيهم، فإن نساءهم إلى بضع عقود خلت كُنَّ محتشمات يغطين حتى رؤوسهن، و ما انكشفت العورات دفعة واحدة، و لكن إنشاً إنشاً، أو خيطاً خيطاً حتى قاربوا العري التام ... و ما قوم "بوش" منكم ببعيد.
و الحمد لله رب العالمين.