وقول الراجز - وهو الحطيئة:
الشعر صَعْبٌ وطويلٌ سلَّمُهْ ... إذا ارتقى فيه الذي لا يَعْلمهْ
زلَّتْ به إلى الحضيض قَدَمُه ... يُريد أنْ يُعْربَه فيعجمهْ (1)
أما خُطبُ مولانا أمير المؤمنين عليّ - عليه السلام - فقوله: "فعداهم الموتُ غرا" وأصلُه: عدا عليهم أي: وثب عليهم، والأصل تعديتها بـ على - كما في كتب اللغة - وإذا صحَّت نسبتها إلى أمير المؤمنين فلها سرٌّ جدير أنْ لا يبلغَه فَهْمُ المستشهِد، وهو أنَّه ضمَّنَ (عدا) معنى أفنى فعدَّاها بنفسها - كما تُعدَّى أفنى وإليه أشار الرّضيُّ بقوله: "هجم عليهم وأفناهم" فقوله: "هجم عليهم ... " تفسيرٌ لأصل المعنى الذي عبَّر عنه في القاموس بـ (وثَب) (2)، وقوله: "أفناهم" إشارة إلى اللفظ الذي ضُمِّنَتْ معناه بدليل تعدية الفعل بنفسه، والتضمين من أسرار العربية (3).
وإليك عبارةَ ابن هشام في مغني اللبيب: "القاعدة الثالثة: قد يُشْرِبُون لفظًا معنى لفظٍ فيعطونه حكمه ويُسمَّى ذلك تضمينًا، وفائدة ذلك: أنْ تؤدّي
= إنَّما الشعر لُبُّ المرء يعرضه ... على المجالس إنْ كيسًا وإن حمقا
وإن أشعر بيتٍ أنت قائله ... بيت يقال إذا أنشدته صدقا
راجع الديوان (ص 277).
(1) الأبيات تنسب للحطيئة، انظر العمدة لابن رشيق (1/ 185).
(2) راجع القاموس المحيط مادة (عدا).
(3) انظر الأشباه والنظائر في النحو للسيوطي (1/ 219).