تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبهذه الرحلة الهندية انتقل الشيخ إلى عالم جديد عليه من حيث الثقافة والعادات، وانفتح على علوم جديدة لم يكن لها من الذيوع والانتشار كما في الهند، كعلم الحديث والرجال. وبانتقاله إلي دائرة المعارف العثمانية للعمل في تحقيق أُمَّات كتب الحديث والرجال واللغة والأدب وغيرها يكون الشيخ قد انتقل إلى عمل جديد لم يمارسه من قبل ولا كان معروفًا في البيئة التي عاش فيها في اليمن ولا عند الإدريسي، فهي تجربة جديدة بحق.

تمكَّن الشيخ بفضل الله ثم بفضل مواهبه المتعددة وعلومه المتنوّعة وذكائه المفرط من إتقان هذه الصنعة في أقرب وقت، بل صار هو العَلَم المشار إليه في الدائرة في تصحيح الكتب وحلّ مشكلات التحقيق خاصة فيما يتعلق بكتب الحديث والرجال.

ولا شك أن هذه الرحلة نفعت الشيخ في أمرين مهمين، الأول: التفرّغ التامّ للعلم والانقطاع له قراءة وطلبًا، وتأليفًا وتحقيقًا، الثاني: العناية بعلم الحديث رواية ودراية. وقد التفت في وقت مبكر من قدومه الهند إلي طلب الإجازة من بعض العلماء المسندين، فقد استجاز من الشيخ محمد عبد القدير الصديقي (1288 - 1381) فأجازه في الثالث عشر من ذي القعدة سنة 1346، ووصفه فيها "بالأخ الفاضل العالم العامل الشيخ" (1)، وغير بعيد أنه أخذ عن غيره مع توافر العلماء المسندين وسهولة الأخذ عنهم، لكن لم يصلنا شيء نستند إليه لإثبات ذلك.

مكث الشيخ في الهند موظفًا في دائرة المعارف العثمانية خمسة وعشرين

10 - أمّا ما يتعلَّق بتخريج الأحاديث، فقد التزمت ذكر الكتاب والباب ورقم الحديث، وكذلك رقم الجزء والصفحة إذا أغفلهما المؤلِّف دون تمييز لزياداتي على المؤلِّف لكثرة ذلك، ولأن المؤلف مال أخيرًا إلى الاكتفاء بذكر الكتاب والباب دون ذكر الجزء والصفحة كما صنع في نسختَيْ (ب) و (ز).

11 - في إصلاح الخطأ وإكمال النقص سلكت الآتي:

أ - قمت بتصحيح ما كان مخالفًا لقواعد العربية مع التنبيه عليه.

ب - أصلحتُ ما وقع من الأخطاء في نصوص الآيات القرآنية وإحالاتها، دون تنبيه.

ت - للمؤلِّف بعض الرموز والاختصارات، مثل: (هـ) و (اهـ)، اختصارًا للفظ (انتهى)، وقد يكتبها كاملة، وذلك في آخر النصوص التي ينقلها أحيانًا، فأبقيت ذلك كلَّه عدا الأول، فقد جعلته هكذا: (اهـ). وقد يجرِّد اسم السورة من أداة التعريف عند عزو الآيات إلى سورها، ويخلي أحيانًا اسم الكتاب من أداة التعريف كذلك، فأكملت ذلك كلَّه دون تنبيه، اكتفاء بما ذكرته هنا.

12 - قدَّمت للرسالة بمقدِّمة تضمَّنت تحديد عنوان الكتاب وتحقيق نسبته إلى المؤلف، مع ذكر تاريخ تأليفه له، وبيان أهمية الكتاب وقيمته العلمية، وبيان منهج المصنف، وموارده وطبعات الكتاب ووصفًا للنسخ المخطوطة، وبيان موضوع الرسالة وموضوعاتها.

عليه".

وروى منه النهيَ عن الكتابة فقط ابنُ ماجه (1) عن عبد الله بن سعيد عن حفص بسنده.

[ص 70] "صحيح مسلم" (2): وحدثنا يحيى بن يحيى أنا إسماعيل بن علية عن أيوب عن أبي الزبير عن جابر قال: "نهى عن تقصيص القبور".

النسائي في "سننه" (3): أخبرنا عمران بن موسى قال حدثنا عبد الوارث حدثنا أيوب عن أبي الزبير عن جابر قال: "نهى رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم عن تجصيص القبور".

ابن ماجه (4): حدثنا أزهر بن مروان ومحمد بن زياد قالا: ثنا عبد الوارث عن أيوب عن أبي الزبير عن جابر قال: "نهى رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم عن تقصيص القبور".

الإِمام أحمد مسند (5) (جزء 3/ ص 399): ثنا عفان ثنا المبارك حدثني نصر بن راشد سنة مائة عمن حدثه عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: "نهانا رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم أن تُجَصَّص القبور، أو تُبنى عليها". اهـ.

عُلَية عن أيوب عن أبي الزبير عن جابر قال: "نُهِي عن تقصيص القبور".

فيه عنعنة أبي الزبير، قال الذهبي في "الميزان" (1): "وفي "صحيح مسلم" عدة أحاديث فيما لم يوضح فيها أبو الزبير السماع عن جابر، ولا هي من طريق الليث، ففي القلب منها، فمن ذلك ... وحديث النهي عن تجصيص القبور، وغير ذلك" اهـ.

أقول: كذا في النسخة "عن تجصيص" بالجيم، وإنما هو "تقصيص" بالقاف، فإنه هكذا في "صحيح مسلم"، وإن رواه غيره بالجيم، كما سيأتي، والمعنى واحد، ولكن ربما يتوهم أن مراد الذهبي بحديث النهي عن تجصيص القبور الحديث الذي فيه النهي بهذا اللفظ، وهو الحديث المطول الذي مرّ، وليس كذلك؛ لأن الحديث المطوَّل قد صرَّح فيه بالسماع، كما تقدم.

[ص 89] والجواب عما قاله الذهبي: أنه يبعد جدًّا أن يدلس أبو الزبير حديث النهي عن التقصيص، أو التجصيص، وهو مسموعٌ له في ضمن الحديث الطويل، وأي حاجة تدعوه إلى التدليس؟

والذي يظهر لي: أنه عرض لأبي الزبير ما يخص تقصيص القبور فقط دون البناء والجلوس والوطء والكتابة والزيادة، كان سئل عن تقصيص القبور، أو رأى قبرًا مقصصًا، أو ذكر له ذلك، فاحتاج أن يستدل على النهي عن تقصيص القبور، وأراد الاختصار، أو كان المقام ضيقًا، أو نحو ذلك. فاختصر الحديث اقتصارًا على موضع الحاجة.

و [من] تدبَّر هذه الشريعة وجد حِكمةً بالغة وإتقانًا باهرًا، يستحيل في العادة أن تكون من وضع بشر واحد، بل ولا من وضع البشر كلهم.

فصل

إذا كنت قد أنعمت النظر فيما تقدم فقد علمت أن الأدلة المذكورة - قطعيها وظنيها - لم يثبت بها وجود مُجرَّد، ولا وجود ذات مجردة، بل وجود رب هو المدبر لهذا العالم، فعُلِمَ بذلك أنه حي قدير مريدٌ، عليم حكيم، كريم رحيم، إلى غير ذلك من الصفات.

ولهذا - والله أعلم - يُكتفَى في الكتاب والسنة في ذِكْر الإيمان بالإيمان بالله، ولا يُفرَّق فيهما بين الإيمان به والإيمان بصفاته، وإن أُفرد الاحتجاجُ على بعضها كقوله (1) تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14].

فصل

العقل إنما يستثبت بالأدلة المتقدمة وغيرها وجودَ الربّ، وأنه حيٌّ عليم قدير، إلى غير ذلك من صفاته، بطريق القياس على ما عرفه من وجود الناس - مثلًا - وحياتهم وعلمهم وقُدرتهم، ونحو ذلك.

وهو بنفس تلك الأدلة يعلم أن الرب ليس من جنس هذه المحسوسات، وأن مشاركته لها في تلك الصفات تكاد لِعِظَم التفاوت تكون مشاركةً في الاسم فقط، وأن هذه المشاركة لا تقتضي المشاركة في غير ما ثبتت فيه.

كما يجوِّزون أن يُسلِم الرجل عشرة دراهم في خمسة عشر صاعًا إلى الحصاد مثلاً، مع أن السعر حين العقد عشرة آصُع. فما الفرق بين المسألتين وبين الربا؟ أجاب عنه المؤلف بعدة أجوبة، وفصَّل الكلام فيها.

ثم تكلم على الدين الممطول به والمال المغصوب، ولماذا لم تَفرِض الشريعة على المماطل والغاصب ربح المال مدةَ المطل والغصب عقوبةً له؟ وإنما شرعت عقوبته بالحبس والتعزير.

ثم تحدث عن الربا مع الحربي الذي أجازه أبو حنيفة وحرَّمه الجمهور، وعن المضاربة التي يمكن لذوي الأموال من العجزة والكسالى أن يربحوا فيها ولكن بدون ضرر على غيرهم.

وعنون بعد ذلك بقوله: "وجوه الربا"، وتكلم فيها عن بعض الصور التي تحتاج إلى إيضاح، مثل: العِينة، والانتفاع بالرهن (الذي يقال له: بيع العهدة، وبيع الوفاء ... إلى غير ذلك من الأسماء)، وأطال البحث فيهما، وذكر رأي الحنفية في بيع الوفاء واضطراب أقوالهم في كتبهم، وقام بتحرير المسألة على أصول مذهبهم، كما ردَّ على الحضارمة الشافعية الذين أجازوه بدعوى احتياج الناس واضطرارهم إلى هذه المعاملة، وبحثَ عن الضرورة وعن حكمها في فصل مستقل، ثم ردَّ عليهم في قولهم: إنهم لم يقصدوا الضرورة المتعارفة، وإنما أرادوا الحاجة. فأبطل المؤلف هذه أيضًا، وأدار الحوار معهم لبيان بطلانها، وذكر أن المفاسد التي تترتب على بيع الوفاء شديدة، وأشدها أنه ربًا في القرض، وعدَّد بعض المفاسد الأخرى.

ثم وضع عنوان "ربا البيع"، وأورد الأحاديث الواردة في النهي عن بيع الذهب بالذهب إلاَّ مثلًا بمثلٍ سواءً بسواءٍ يدًا بيد، وهكذا الفضة بالفضة إلى

نماذج من النُّسخ الخطية

(1) سيأتي شيء من نص الإجازة في مبحث ثناء العلماء عليه.

(1) رقم (1563).

(2) رقم (970).

(3) رقم (2029).

(4) رقم (1562).

(5) رقم (15286).

(1) (5/ 164).

(1) تحتمل قراءتها في الأصل: "بقوله".

· الجزء ١ · الصفحة ٧٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ج ١ · ص ٧٥