تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

القاعدة الثالثة: (اعتبار الظاهر في الكفر والإيمان):

الشرح: أي أن المرء يحكم عليه بالكفر أو الإيمان بناءً على ظاهره؛ فإن أظهر الكفر ـ من غير مانعٍ شرعي معتبر ـ يحكم عليه بالكفر، وإن أظهر الإيمان يحكم عليه بالإيمان من دون أن نتتبع باطنه، أو نسأل عن حقيقة ما وقر في قلبه، لأن معرفة ما في القلوب من خصوصيات علام الغيوب، كما أن الأحكام مبناها على الظاهر، وما يُظهره المرء من أقوالٍ أو أعمال.

والأدلة على صحة هذه القاعدة كثيرة، منها:

1 - قوله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله)، وهذه أركان جميعها ظاهرة للعيان مسموعة بالآذان ـ وهي من خصوصيات الجوارح الظاهرة دون الباطن ـ فمن أتى بها حُكم بإسلامه، وعصم دمه وماله، وعومل معاملة المسلمين.

2 - ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: (من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا فذاك المسلم له ذمة الله وذمة رسوله) [رواه البخاري]، فالحديث فيه أن من أتى بهذه الأعمال الظاهرة حُكم بإسلامه ولا بد .. له ذمة الله وذمة رسوله.

3 - ومنها، ما رواه أسامة بن زيد قال: بعثنا رسول الله في سرية فصبحنا الحرقات من جهينة، فأدركت رجلًا، فقال: لا إله إلا الله، فطعنته، فوقع في نفسي من ذلك، فذكرته للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أقال لا إله إلا الله وقتلته؟!) قال: قلت يا رسول الله إنما قالها خوفًا من السلاح، قال: (أشققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا) فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني أسلمت يومئذٍ!، وفي رواية: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أقتلته؟!) قال: نعم، قال: (كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة)، قال: يا رسول الله استغفر لي، قال: (وكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟!)، قال: فجعل لا يزيد على أن يقول: (كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟) [متفق عليه]، فتأمل كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم أغلظ في الإنكار على أسامة عندما أعمل ظنه ـ والظن لا يغني من الحق شيئًا ـ في قتل الرجل، والحكم عليه أنه ما قال شهادة التوحيد إلا تقية من السلاح، حتى تمنى أسامة أنه لو أسلم يومئذ ولم تكن منه تلك الفعلة!، ثم إذا كان أسامة أعجز من أن يشق عن قلب الرجل ـ وهذا شأن كل مخلوق ـ ليعرف أقال كلمته صادقًا من قلبه أم لا، فإن ذلك يقضي منه أن يكتفي بالحكم على الظاهر، والله تعالى يتولى السرائر، وخلاصة القول: نستخلص من القاعدة الآنفة الذكر وشرحها أن أحكام الكفر والإيمان تُقام على أساس الظاهر، وما يُظهره المرء من قول أو فعل، وليس لنا وراء الظاهر من سبيل، وعليه نقول: (من أظهر لنا الكفر ـ من غير مانعٍ شرعي معتبر ـ أظهرنا له التكفير)، وهذه قاعدة من قواعد التكفير فاحفظها.

وقولنا من غير مانعٍ شرعي معتبر هو لما ذكرناه في القاعدة الأولى، فراجعها.

وكذلك نقول: (من أظهر لنا الإسلام حكمنا بإسلامه ما لم يُظهر لنا ما يُضاده وينفيه)، وهذه كذلك قاعدة من قواعد التكفير فاحفظها.

تحفة الموحدين في أهم مسائل أصول الدين · الصفحة ١٢٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تحفة الموحدين في أهم مسائل أصول الدينص ١٢٠