وأيد هذا القول حكيم الأمة الشاة ولي الله الدهلوي وصدقه بقوله وحاصل صنيعهم على استقرائنا من كلامهم أن تعرض المسائل المنقولة عن مالك والشافعي وأبي حنيفة والثوري وغيرهم رضي الله عنهم من المجتهدين المقبولة مذاهبهم وفتاواهم على موطأ مالك والصحيحين ثم أحاديث الترمذي وأبي داوود والنسائي فأي مسألة وافقتها السنة نصا أو إشارة اخذوا بها وعملوا عليها وأي مسألة خالفتها السنة مخالفة صريحة ردوها وتركوا العمل بها. وقال ولزيادة التفصيل والتشريح وإن كنت في ريب مما ذكرنا فعليك بكتاب البيهقي(93) وكتاب معلم السنن(94) وشرح السنة للبغوي(95) فهذه طريقة المحققين من فقهاء المحدثين وقليل ما هم. وهم غير الظاهرية من أهل المتقيدين من أصحاب الحديث ممن لم يلتفتوا إلى أقوال المجتهدين أصلا ولكنهم أشبه الناس بأصحاب الحديث لأنهم صنعوا في أقال المجتهدين ما صنع أولئك في مسائل الصحابة والتابعين(عقد الجيد في الاجتهاد والتقليد)(96).
وأيد قول هذين الشيخين الجليلين العلامة عبد الحي اللكنوي شارح الوطأ لمحد ومحشي الهداية وغيرها من كتب الفقه فقال ولله دره ما أحسن ما قال من نظر بنظر الإنصاف وغاص في بحار الفقه والأصول متجنبا عن الاعتساف يعلم علما يقينا أن أكثر المسائل الفرعية والأصلية التي اختلف العلماء فيها فمذهب المحدثين فيه أقوى من مذاهب غيرهم وإني كلما أسير في شعب الاختلاف أجد قول الحدثين فيه قريبا من الإنصاف فلله درهم وعليه شكرهم كيف لا وهم زمرتهم وأمتنا في حبهم وسيرتهم (إمام الكلام) ولنعم ما قيل:
لا ترغبن عن الحديث وأهله
فالرأي ليل والحديث نهار
(ميزان شعراني)(97).
وقال شيخ الإسلام ابن القيم:
يا مبغضا أهل الحديث وشاتما
أبشر بعقد ولاية الشيطان
أو ما علمت بأنهم أنصار الرسول
لهم بلا شك ولا نكران
ما ذنبهم إذ خالفوك لقوله
ما خالفوه لأجل قول فلان
نسبوا إليه كل مقالة
أو حالة أو قاتل ومكان
فلذا غضبتهم حيث ما انتسبوا إلى