وقد عنى الفقهاء فى هذا الطور بمسائل أصول الفقه التى ما كانت تعدو أن تكون مقدمة فقهية وما زالوا يبحثون ويتوسعون حتى جعلوا ذلك علما مستقلا.
وفى هذا الطور ظهر لون من الفقه لم يكن واضحا قبله حيث وضعت أصول للمسائل وقواعد كلية تدور فى أبواب مختلفة من الفقه، كما فعل الكرخى فى رسالته، وأبو زيد الدبوسى فى تأسيس النظر، وقاضيخان والحصيرى فى أوائل كل باب من شرحهما للجامع الكبير لمحمد، وصاحب جامع الفصول فى أكثر فصوله، وابن نجيم فى الأشباه والنظائر، والقرافى فى الفروق، وابن عبد السلام، والزركشى فى القواعد، وابن رجب فى القواعد الكبرى ... كما توسعوا فى بيان الجمع والفروق بين المسائل، وفى وضع الألغاز الفقهية ومسائل المعاياة.
وفى هذا الطور لم تقف دراسة الفقهاء عند المذاهب التى ينتسبون إليها بل اتجهت عنايتهم إلى دراسة اختلاف الفقهاء وجمعة وتدوينه، فاشتغل به أبو جعفر الطحاوى ووضع فيه موسوعة بلغت نيفا وثلاثين ومائة جزء، اختصرها فيما بعد الجصاص، واشتغل به أيضا ابن جرير الطبرى يذكر فيه أحمد بن حنبل وقال إنه محدث وليس بفقيه، ولذلك رماه أتباع أحمد بعد موته بالرفض.
وكذلك اشتغل به المجتهد المنتسب أبو على الحسن بن خطير فجمع اختلاف الصحابة والتابعين والفقهاء، والنيسابورى الشافعى وله كتاب الانتصاف فى اختلاف العلماء قال فيه الشيرازى إنه مما يحتاج إليه الموافق والمحا لف.
ولابن هبيرة الإفصاح. وللإسفرايينى فى الاختلاف كتاب الينابيع، وللشعرانى الميزان وهذه الثلاثة الأخيرة لم يذكر فيها إلا اختلاف المذاهب الأربعة ولم تكن كالتى ذكرت قبلها.
ومن الكتب التى كان أصل وضعها أن تكون مذهبية إلا أنها من أوسع كتب اختلاف الفقهاء: المغنى لابن قدامة الحنبلى، والمحلى لابن حز م، وهما البقية الباقية لنا من مبسوطات كتب الاختلاف.
وفى هذا الطور تحولت الدراسة إلى المختصرات المتعاصرة أو المتتالية فى كل مذهب، فانصرفت الهمم إلى شرحها والتعليق عليها كمختصرات الطحاوى والكرخى والقدورى والبداية للميرغينانى والوقاية والنقاية لصدر الشريعة وجده، وكنز النسفى وما كان بعدها من المختصرات عند الحنفية. وكمختصر ابن أبى زيد وتهذيب البرادعى ومختصر ابن الحاجب فى الفروع ومختصر خليل بن إسحاق وأقرب المسالك للدردير ومجموع الأمير عند المالكية.
وكمختصر المزنى والمهذب والتنبيه للسيرازى والوجيز للغزالى والمنهاج للنووى والتحرير لشيخ الإسلام زكريا الأنصارى والمنهج للسيوطى عند الشافعية. والإقبال على هذه المختصرات التى عرفت أخيرا باسم المتون أدى إلى إهمال المبسوطات السابقة واعتبارها مراجع، فلم تلق من العناية بالتحرير والرواية ما لقيته المختصرات المتدارسة والمشروحة، فصارت عرضة للضياع، بل ضاع الكثير منها وما وصل إلينا وصل إلينا محرفا تحوم حوله شبهات، وبلغت العناية بالمختصرات أشدها ثم زادت أخيرا عن حدها، وكثر التعرض لتحليل ألفاظها وغير ذلك مما لا صلة له بالفقه وامتلأت بذلك الحواشى والتقريرات. والمساجد كانت هى أماكن المدارسة الأصلية، وتقوم بجانبها بيوت العلماء، وفى بداية هذا الطور وجدت المدارس التى أنشئت ووقفت عليها الأوقاف التى تكفل معونة العلماء والطلاب وتكفل أرزاقهم كسا وضعت بها الكتب الموقوفة التى يحتاجون إليها.
وربما كانت أول مدرسة هى المدرسة النظامية التى أنشأها نظام الملك بنيسابور للشيرازى، وتوالى يعدها إنشاء المدارس النظامية فى بغداد ودمشق وغيرها من البلاد.
وكثر إنشاء المدارس كثرة منقطعة النظير فى مصر والشام وما والاهما فى عهد الأيوبيين والمماليك، كما كثرت فى عهد الأتراك العثمانيين، وكان من أشهرها مدارس الآستانة الثمان.
وكانت مدارس للتفسير والحديث. ومدارس للفقه ومدارس لفقه مذهب بعينه، ولا ريب فى أن المدارس أدت للفقه الإسلامى أجل الخدمات وأخرجت أعلاما وأئمة فى الفقه، وفيها صنفت المؤلفات الفقهية العظيمة، وهى ككل أعمال هذه الحياة لا يمكن أن تخلو من نقض ولا أن تكون خيرا مطلقا، وهذا لا يبرر الحملة القاسية التى حملها على المدارس التلمسانى والمقرى من فقهاء المالكية فى القرن الثامن الهجرى فقد قالا إن المدارس كانت سببا فى ضياع الفقه، وذلك لأن هذه المدارس جذبت إليها طلاب العلم لما فيها من المرتبات الجارية عليهم، غير أنه لا يختار للتدريس بها من هو أهل لذلك وما سبيل القبول بها إلا الشفاعات والزلفى إلى ذوى الرياسة، أما الأكفاء فإنهم لا يدعون إليها، وإن دعوا لم يجيبوا، وإن أجابوا لم يوف لهم بما شرطوا فانصرفوا، وبذلك ضاع العلم وضاع الطلاب حتى أنه كان يجلس على كرسى الأستاذ من لم يقرأ الرسالة ولم يفتح كتابا وربما جلس للتدريس من طريق التوارث، إلى آخر ما قالا.