وفقهاء التابعين قد ملئوا الآفاق من أقصى السند وأقصى خراسان إلى أرمينية وأذربيجان إلى الموصل وديار ربيعة وديار مضر إلى أقصى الشام إلى مصر إلى إفريقية إلى أقصى الأندلس إلى أقصى بلاد البربر إلى الحجاز واليمن وجميع جزيرة العرب إلى العراق إلى الأهواز إلى فارس إلى كرمان إلى سجستان إلى كابل إلى أصفهان وطبرستان وجرجان إلى الجبال. وهؤلاء لم يحصهم أحد، ولكن كان من بينهم المشهورون فى كل إقليم، وهم كثيرون، يضيق مقامنا هذا عن عدهم.
وعهد الصحابة وكبار التابعين من خير القرون، وهو عهد لم يبتعد عن عصر الرسالة، والإيمان فيه لا يزال غضا، والعقائد لا تزال راسخة ولأحكام الدين المكان الأول فى نفوس المسلمين عامة، لا فرق فى ذلك بين الحاكمين والمحكومين، فهى أحكام دين، وقانون دولة إسلامية هى معقد العز وجماع الفخر لكل من ينتمى إليها، فليس متصورا أن تلقى تلك الأحكام إهمالا عاما ولا انتهاكا فى علانية.
إن لكل دين وكل قانون من يعصاه فى كل وقت، أما أن تهمل أحكامه إهمالا عاما أو تنتهك حرماته انتهاكا كليا ودولته قائمة فى قوتها ولا تقوم إلا على أحكامه، فهذا ما لا يقبله أى منطق.
ولكن ما للمستشرقين ولكل هذا إذا تحدثوا عن الإسلام والمسلمين، وبخاصة إذا كان الهدف من حديثهم هو قطع الصلة بين عصور الفقه الإسلامى ليصلوا إلى أغراضهم الخبيثة وإلى هدم هذا الفقه من أساسه، فزعموا أن الحديث إنما دون بعد الفقه ليخدمه، كما زعموا أن القرن الأول، قرن الصحابة وكبار التابعين، كانت تسوده ظاهرة لدى الحكام والعلماء والشعب، وهى عدم الاهتمام بأحكام الدين، وعدم المعرفة بشئونه، والتأرجح وعدم القطع والجزم فيها، حتى فى العبادات، ولم يكن التابعون على وضوح بالنسبة للأمور الفقهية.
هذا مجمل ما قاله اليهودى المستشرق جولد تسيهر، وقاله أمثاله من معاصريه، وقاله أشياعه من بعده، وكل مفترياته وضيعة، يكذبها الواقع. إنهم لم يستندوا إلا إلى بعض جمل التقطوها من مواضعها وفصلوها عما قبلها وما بعدها، وإلى أكاذيب موضوعة، وإلى تأولات صدرت من خصم سياسى للطعن فى خصمه، وإلى أمور تدل على عكس ما يقولون. فهم يقولون: أن هناك أقوالا متناقضة فى جميع أبواب الفقه ووجود هذه الأقوال أفظع ما يكون فى الدلالة على العناية والاهتمام وبذل الجهد فى استنباط الأحكام. والاختلاف فى الأمور الاجتهادية التى ليس فيها نص قاطع، لا يدل على التأرجح وعدم القطع، فكل قد اعتقد واطمأن إلى ما أداه إلية اجتهاده، واختلاف الأفهام فى موضع النظر والاجتهاد من الأمور الفطرية عند الناس جميعا، وما كان فقهاء المسلمين بدعا فى هذا، وهو واقع عند جميع الناس منذ كانت الخليقة حتى اليوم، ولم يذهب أحد إلى أنة آية على التأرجح وعدم القطع والجزم.
وزعموا- كذبا- أن فى سنن أبى داود والنسائى ما يدل على أنه كان يوجد فى بلاد الشام من ولا يعرف عدد الصلوات المفروضة فراحوا يسألون الصحابة عن ذلك على أنه لو صح ذلك لكان دليل الاهتمام والعناية، وافتراض أن يوجد واحد أو أكثر على هذه الشاكلة لسبب من الأسباب لا يقوم دليلا على الاختراع الذى اخترعوه.
وأشد من هذا تجنيا، زعمهم أن الأمويين غيروا أوقات الصلاة برأيهم، يقولون ذلك ليوهموا أن هناك عبثا بعماد الدين وأقوى أركانه، مع أن المسالة لا تعدو أن مروان ابن الحكم قدم خطبة العيد على الصلاة، وحديث أبى سعيد الخدرى فى هذا معروف، فما أهون هذا وأبعده عما يوهمون ويضللون.
وعضوا بالنواجذ على ما أخترعه بعض أتباع مالك تأييدا للأخذ بما عليه عمل أهل المدينة، وهو أن ابن عباس خطب فى آخر رمضان على منبر البصرة فقال: " أخرجوا صدقة صومكم ".
فكان الناس لا يعلمون، فقال: " من هاهنا من أهل المدينة؟ قوموا إلى إخوانكم فعلموهم، فإنهم لا يعلمون من زكاة الفطر الواجبة عليهم شيئا".