والفقه عليه أن يواجه كل هذا، فهو السيد وحده، وهو صاحب السلطان المطلق، فاتسع نطاقه اتساعا عظيما، وكثرت مسائله وأبوابه وصارت أضعافا مضاعفه. والمجتهدون الأولون هم الفقهاء من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا كغيرهم من الناس، فمنهم العامة الذين لم يعرفوا بفقه ولا رواية، وإذا نزلت بأحدهم نازلة سأل فيها أهل الذكر.
وجاعت الرواية عن نيف وثلاثمائة وألف صاحب. وجاءت الفتيا عن نيف وثلاثين ومائة صاحب، وكان منهم المكثرون الذين يمكن أن يجمع من فتيا كل واحد منهم سفر ضخم. وكان منهم المتوسطون الذين يمكن أن يجمع من فتيا كل منهم جزء صغير، ومنهم المقلون. وليس كل من أفتى كان يسمى فقيها، وما كان يسمى فقيها منهم، كما ذكر ذلك صدر الشريعة، إلا من كانت له ملكة الاستنباط، وقد عرف بذلك وبالعلم واشتهر به أم المؤمنين عائشة، وعمر، وعلى، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عمر، وابن عباس، وأبو بكر، وأبى، ومعاذ، وابن عوف، وأبو موسى الأشعرى، وأبو سعيد الخدرى، ومعاوية، ومن فقهاء الصحابة من كان دون هؤلاء.
وكان الفقهاء من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرجع بعضهم إلى بعض ليعرف ما عنده من سنة وفقه، فكان عمر وابن مسعود وزيد يرجع بعضهم إلى بعض. وكذلك كان على، وأبى، وأبو موسى. وكانت سنة الخليفتين أبى بكر وعمر أنه إذا نزلت النازلة لا يظهر لهما فيها شىء من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يجمعا لذلك العالمين، فإن وجدت عندهم سنة أخذ بها، وإن لم توجد اجتهدوا، فإذا اجتهدوا واتفقوا كان ذلك إجماعا يجب على الكافة أن يأخذوا به، وإن اجتهدوا ولم يتفقوا وأمر ولى الأمر باتباع رأى وجبت طاعته، وإن لم يكن إجماع ولا أمر عمل كل بما أداه إليه اجتهاده. وكانت سنة الخليفتين فى هذا هى السنة التى يتبعها أمير كل مصر من الأمصار إن لم يرفع الأمر إلى الخليفة.
وكان فقهاء الصحابة حول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة. ولما لحق بالرفيق الأعلى بدأ تفرقهم فى الجهاد، ثم ازداد تفرقهم فى عهد عمر حينما مصر الأمصار، وأسكنها المسلمين، وأرسل إليهم الأمراء والولاة والمعلمين والعمال. وما كان يؤمر أمير على جيش أو غيره، وما كان يولى وال أو عامل، إلا أن يكون فقيها عالما، فانتشروا فى الآفاق وملأوا الأمصار فكانوا عصبة الإيمان، وأئمة الهدى، وأعلم الأمة بالأحكام وأدلتها وأفقه الناس فى دين الله، وعليهم دارت الفتيا، وعنهم انتشر العلم والفقه. وكانوا إذ ذاك بالمدينة ومكة والكوفة والبصرة والشام ومصر. وعن هذه الأمصار انتشر الفقه فى الآفاق.
وفقهاء التابعين قد ملئوا الأمصار، وقد شارك كبارهم فقهاء الصحابة فى الاجتهاد والفتيا. وكانت المصادر الفقهية فى عصر التابعين هى المصادر فى عهد فقهاء الصحابة: الكتاب والسنة وإجماع الصحابة. وإذا نزلت الحادثة ولم يجد الفقيه التابعى فيها كتابا ولا سنة ولا إجماعا من الصحابة، ووجد أقوالا لفقهاء الصحابة، نظر فيها وتخير منها واتبع عن نظر ودليل، لا عن تقليد، ومن هذا الاتباع أطلق عليهم اسم التابعين. وإذا لم يجد التابعى شيئا من ذلك اجتهد رأيه. وإذا اجتهد التابعون وأجمعوا، كان إجماعهم حجة عند الكثيرين. وذهب داود وأصحابه إلى أن إجماعهم لا يكون حجة ولا مصدرا فقهيا.
ومن الواضح أن من لا يحتج بإجماع الصحابة لا يحتج بإجماع التابعين. على أن الخلاف فى إجماع التابعين نظرى محض ما دمنا لا نعرف حكما بعينه ثبت بإجماع التابعين.
وقد اجتهد فقهاء التابعين وكانت لهم أقوال فى مختلف أبواب الفقه اتسع بها نطاقه وصار أكثر اتساعا منه فى عهد أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وقد حفظت أقوالهم ونقلت عنهم ثم دونت فيما بعد، ومما يلفت النظر أنه ظهر فى هذا العهد مناقشات واضحة فى باب كبير من أبواب الفقه هو باب الوقف، فالقاضى شريح يقول: إنه باطل لا يجوز، لأنه حبس عن فرائض الله، وقد جاء محمد ببيع الحبيس، ويقول قائل آخر مثله، لأن الصدقة لا تجوز لمن لم يوجد ولا يدرى أيكون أو لا.