وقد اعتمدوا في نشر دعوتهم على مراحل وأقسام أسموها -كما ذكرها الإمام عبدالقاهر الإسفرائيني- على النحو التالي: التفرّس، والتأنيس، والتشكيك، والتلقين، والربط، والتدليس، والتأسيس، والمواثيق بالأيمان والعهود، وآخرها الخلع والسلخ.
فالتفرّس: أن يعرف الداعي من يدعو وكيف يدعوه، مميّزاً من يطمع في إغوائه ممّن لا يطمع فيه، وقد قالوا في وصاياهم لدعاتهم: لا تضعوا بذرتكم في أرض سبخة، ولا تتكلّموا في بيت فيه سراج، يقصدون من عنده علم. ومن شروط الداعي عندهم أن يكون عالماً بأنواع الناس وأصنافهم واختلاف مذاهبهم ونقاط ضعفهم والأبواب التي يدخل على كلّ واحد منهم .. فمن كان مشتغلاً بالعبادة حبّبها إليه وحضّه عليها، ثمّ سأله عن معاني العبادات وعلل الفرائض، وشكّكه فيها حتى أبدعها وأدخله مذهبه. ومن كان رافضيّاً جاراه في تعظيم آل البيت وحبّ عليّ رضي الله عنه ويطعن في أبي بكر الصديق وعمر بن الخطّاب وخيار الصحابة رضي الله عنهم، ثم يبغضه في بني تميم لكون الصدّيق منهم وبني عديّ لانتساب الفاروق إليهم، ويبغض في بني أميّة لكون عثمان ومعاوية رضي الله عنهما منهم، وكذلك الأنصار رضي الله عنهم لعدم وقوفهم مع عليّ رضي الله عنه ومطالبتهم بحقّه في الخلافة .. ثمّ يدخل عليه من باب الولاية والتأويل حتّى يخرجه من الدين.
وإن رآه ممّن يحبّ الشيخان مدحهما عنده ورفع من شأنهما وذكر له بأنّ صحبة الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه في الغار كان القصد منها تعليمه التأويل، فإذا سأله المسكين عن التأويل يكون قد وقع في المصيدة، ووصل درجة التأنيس .. وأمّا إن كان المراد جذبه من أهل الفسق والمجون، فإنّه هو الصيد السهل، فيذكر أمامه قول الشاعر الماجن:
أَتُركَ لذَّة الصهباء صرفاً لما وعدوه من طم وضمر
حياةٌ ثمّ موتٌ ثم نشرٌ حديث خرافة يا أمَّ عمرو
ويشجّعونه على الانغماس في المعاصي واستباحة الحرمات وإنكار البعث والثواب والعقاب وإنكار الله والخروج من الإسلام.
ثم تأتي المرحلة الثانية، التأنيس: وهو التفرّس تقريباً، إلاّ أنّه بعد أن يزيّن للصيد مذهبه ويشكّكه فيه لما يسأله عن التأويل .. فإذا سأله المدعو عن علم ذلك أجابه بأنّ علمه عند الإمام .. ويكون قد انتقل إلى مرحلة التشكيك، وهو الوصول بالضحية إلى الاعتقاد بأنّ المراد بالفرائض والظواهر شيئاً آخر غير معناها اللغوي أو الشرعي .. ينهون عليه ترك الفرائض وارتكاب الموبقات، ويكون قد أصبح جاهزاً لمرحلة الربط، والربط عندهم طلب المدعوّ إلى معرفة تأويل أركان الشريعة، فيتأوّلونها به، فإن قبلَها على الوجه الذي دفعوها إليه، وإلا بقي على الشكّ والحيرة فيها.
أمّا التدليس .. فهو قولهم للضحية الجاهل إن الظواهر عذاب وباطنها فيه الرحمة .. ويستدلّون بقوله تعالى ﴿فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب﴾ [الحديد: 13]، وإنّ لكلّ عبادة أو أمر ظاهراً هو كالقشر وباطنه كاللّب، واللبّ خير من القشر، فإذا سألهم عن تأويل باطن الباب .. طلبوا منه وأخذوا منه المواثيق والأيمان المغلّظة كالطلاق والعتاق وتسبيل الأموال والبراءة من الله ورسوله .. إلى آخر هذه الأيمان والنذور .. بأن لا يحدّث أحداً بما سيخبرونه إلاّ بإذنٍ من الإمام صاحب الزمان، أو المأذون له في دعوته، وأن يستر أمرهم ويحمي جماعتهم.
فإن فعل المقرّر به ذكروا له حقيقة دينهم واعتقادهم، فإن قبل الجاهل مذهبهم فقد انسلخ من الملّة وخلع الإسلام من عنقه، وإن رفض الدخول في عقيدتهم لعدم تقبّله لها واستهجانه بها لم يستطع أن يذيع سرّهم ويدلّ عليهم، بل إنّه يكتم أمرهم، وقد يساعدهم، وذلك لما أخذوه منه من أيمان ومواثيق ونذر يظنّ لجهله أن لا فكاك منها ولا يمكن حلّها .. وبذلك يضمن القرامطة عدم إفشاء سرّهم حتّى وإن لم يقبل المغرّر به الدخول في مذهبهم ودينهم ..