تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 .................... ص 139

لهم ذلك، فغنهم يقومون اليوم بيننا بإنتاجهم وأفكارهم تعبيرا صريحا عن الخسارة التي منينا في أخوانهم الآخرين، في الميدان الذي نتحدث عنه، ميدان الكتابة والتأليف والتحرير.

أما الذين أتيح لهم من الجيل الناشئ أن يتلقوا تعليمهم باللغة العربية، فقد كانت الأساليب الذي كتب عليهم أن يكونوا بها ثقافتهم، أساليب عتيقة جامدة، أو مفككة مضطربة، تنقطع اليوم لتستأنف غدا، وتمشي دائما في خطوط ملتوية معوجة، بدون هدف أصلا، أو بهدف غير واضح، وكان السبب هنا أيضا، كما كان في غيره، هو الاستعمار، الاستعمار الذي كان يقف في وجه كل تطور في التعليم العربي، وكان يعمل على القضاء على كل حركة لتطويره في مهدها، ذلك لأنه كان يريدنا جهلة، فإذا لابد من تعليم بعض الأفراد، فليكن ذلك على يده، وبلغته، وبالأسلوب الذي يختاره، والذي يتمشى مع أهدافه ويحتفظ له بوجوده، أو يكون أداة للاحتفاظ له بهذا الوجود.

وكان المفروض نتيجة لكل ما تقدم، إلا تجد فينا اليوم من يمسك قلما أو يخط حرفا، ولكن الواقع عكس ذلك، فقد خرجنا من المعركة منتصرين في كل ميدان، حتى في ميدان القلم، في ميدان الكتابة والتحرير والتأليف.

وإذا كنا لا زلنا حتى اليوم لم نقدم من إنتاجنا الفكري إلا القليل مما يستطيع أن يشهد بانتصارنا في هذه المعركة، فإن ذلك لا يعني إلا شيئا واحدا، هو أننا لا نزال-كما أسلفت- مشغولين بالعمل للتخلص من آثار الاستعمار، ومن تركته الثقيلة العفنة.

* *

*

على أن المسألة لا تنتهي عند هذا الحد، ولا ينبغي أن تترك للمجهودات الفردية والمحاولات الخاصة. أن على الدولة أن تتحمل مسؤوليتها كاملة في ميدان الفكر، كما تحملها في كل ميدان آخر، ولن يكفيها لذلك أن تفتح المدارس، وتشجع التعليم، وتؤسس الجامعة.

إن الاستعمار كان يعمل لتجهيلها وفق خطة محكمة وبرنامج محضر محبوك، ونحن نعمل للتخلص من آثار الاستعمار، فيجب أن يكون رد الفعل من طرفنا قويا قوة العقل نفسه.

إننا ننادي هنا بفتح (مصلحة للفكر) تزويد بالعدد الكافي من الكفاءات، وتضم مجموعة من رجال القلم والفكر، تعتبرهم الدولة موظفين لديها، وتوفر لهم الجو المناسب للدراسة وابحث والتنقيب والكتابة والتأليف، وتنفق على أعمالهم عن كرم وسخاء وسعة، وتحدد مهمتهم، فقط، في أن يقرأوا وأن يكتبوا، أن يتصفحوا المخطوطات التي تهم تاريخ المغرب السياسي أو الفكري، وينفضوا عنها الغبار، ويصححوها، ويقدموها للمطبعة لتعرف عن طريقها النور والهواء، ولتعرف عن طرقها أيدي القراء، تجعل مهمتهم أن يجيبوا عمليا عن هذه الأسئلة وعن أسئلة أخرى كثيرة غيرها: هل كان لنا أدب؟ وهل لنا في حاضرنا أدب؟ وهل لنا ماض في الفكر نعتز به ونعلنه للناس؟ وما هي الأسس التي ينبغي أن نبني عليها ثقافتنا وأدبنا وبرامجنا في التعليم.

(مصلحة للفكر) تقوم في الأمة بمثابة الدماغ المفكر، لأهم لها إلا أن تفكر في بعد عن جميع المؤثرات الخارجية، وأن تعلن نتيجة تفكيرها بحوثا، ومقالات، ومحاضرات، ومشاريع، وكتبا مؤلفة أو مترجمة.

إن الدولة تعني بكل شيء، تعني بتوفير القمح، ومد القنوات، وإصلاح الطرق، وبالمجالات الدبلوماسية فما الذي يمنعها من أن تزيد على أعبائها عبثا آخر، قد لا يكلفها كثيرا، ولكنه يعطي نتائج لا تقل أهمية عن النتائج المطلوبة من الأعمال الأخرى؟

ما الذي يمنعها من أن تحتضن الفكر، وتتبناه، وتنفق عليه؟

ما الذي يمنعها من أن تزيد على عدد موظفيها الكثير جدا، عددا آخر قليلا تكل إليه أن يقرأ ويكتب وينتج ويصحح؟

إننا لا نطلب إلى الحكومة أن تفعل كل شيء، ولا ندخل في حسابنا أن عملا كهذا الذي نقترحه قد يغني عن المجهودات الخاصة، ولكنا نريد أن نقول فقط، أن حاجتنا في ميدان لفكر أكبر من أن تترك للمجهودات الخاصة وحدها، وأكبر من أن يكفي في علاجها ما يفضل من الوقت على هامش الأعمال والمشاكل والمسؤوليات.

إننا ننادي بفتح (مصلحة للفكر) تدعى «أكاديمية» أو تدعى «معهدا للدراسات» أو تدعى بأي اسم لآخر، المهم أن تكون، وأن تبرز إلى الوجود في أقرب وقت ممكن، لأن الحاجة إليها شديدة، ولأنها-فيما نرى- علاج، قد لا يكون حاسما، ولكنه من غير شك، علاج مفيد، ومفيد جدا، بل ضروري لا يمكن الاستغناء عنه بأي حال من الاحوال.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٦٣٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٦٣٥