دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 .................... ص 105
الأحلام في الفكر الإسلامي
للأستاذ: محمد ألأمري المصمودي
ظل موضوع الأحلام مصدرا لكثير من البحوث والدراسات التي قام بها فلاسفة ومفكرون وأطباء من مختلف الأزمان والأجناس، وهو إلى الآن لا يزال يستأثر باهتمام كثير من الباحثين في علم النفس، بل إنه أصبح مصدرا للتعرف على كثير من الأدواء والعقد النفسية التي البد أن تخضع للتحليل بطريقة أو أخرى، ذلك لأن طب الأجسام أصبح لا يستغني عن العلاج النفسي، ومرد ذلك إلى أن جميع الأطباء وعلماء النفس صار من المؤكد لديهم أن كثيرا من الأدواء ذات الأساس النفسي، لن تفيد المركبات الكيماوية وإخلاص العقاقير في علاجها، ومن هنا جاءت هذه الأهمية التي صارت تعطي لدراسة الأحلام، بينما كانت هذه الأهمية عند القدامى تأتي من مصادر تختلف باختلاف الأزمان والبيئات والمشارب والهواء، بالإضافة إلى مصدر يتفق فيه الجميع وهو النزوع إلى استكناه ظاهرة من ظواهر الإنسانية التي تستدعي التحليل والتعليل.
وبالرغم من أن البحوث في هذا الباب قد قطعت أشواطا بعيدة فإننا لن نستطيع بحال أن ندعي أن الحقائق المتوصل إليها لحد الآن، رغم وجاهتها وأهميتها-قادرة على إلقاء أضواء كاشفة عليه من جميع الجوانب، ذلك لان الحقائق المتعلقة بالإنسان ومحيطه ستبقى قابلة للتصحيح والتعديل ما دام للإنسان عقل يفكر، وما دام حب الاطلاع يدفع به دوما إلى اسكناه الأسرار الكونية، والكشف عن الخفي المجهول، وستظهر كشوف وكشوف في مختلف ميادين النشاط الإنساني تستطيع أن تلقى أضواء أكثر تركيزا على كثير من النظريات التي تتصل بالإنسان ومحيطه، وسيستفيد موضوع كهذا من هذه الكشوف كما استفاد من كشوف قبلها غير قليل، وهل ننسى نظرية اللاشعور أو العقل الباطن التي كان الفضل في أتباتها للعالم النمساوي اسيجوند فرويد؟ وهي نظرية ساهمت بحظها في محاولة الكشف عن هذه الظاهرة المستعصية (1).
وكان من الطبيعي أن يسترعي موضوع كهذا فلاسفة ومفكري الإسلام، لعوامل مهما تعددت فإن من أبرزها عاملا قويا هو محاولة تفسير حقيقة النبوة، يسوي في ذلك الفلاسفة والشرعيون والصوفية، ومما يسترعي اهتمامنا أنهم يعتمدون في تعليلها-في الغالب الأكثر- على تعليلات روحانية ميتافيزيقية، وغن كانوا لا يغفلون أحيانا بعض التعليلات الفيزيولوجية والسيكولوجية، وسوف يتسنى لنا أن نعرف ذلك فيما بعد بوضوح، وسوف لا نستغني هنا أيضا عن العلامة ابن خلدون، لان يمثل في الحقيقة كثيرا من أراء فلاسفة الإسلام وعلمائه، وبعبارة أخرى نراه نموذجا لتفكيرهم في هذا الباب، حيث استطاع أن يوفق بين آرائهم، ويكون من مجموعها نظرية لا تخلو من عناصر فلسفية، وأخرى صوفية، وأخرى شرعية.