تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 .................... ص 92

والنفوذ، رائدهم في ذلك الأطماع الشخصية ليس غير. ولكن الكنيسة بما لها من وسائل دينية ناجعة، استطاعت أن تذكي الحماس الديني في النفوس لاسترجاع ما تبقى من أرض اسبانيا في يد العرب. فدب الإيمان القوي في القلوب، وهب الجميع متآلفين متحدين للزحف على غرناطة آخر مملكة عربية في الأندلس. ومما زاد في جمع الكلمة اتحاد فرديناند وابيزابيلا عن طريق الزواج السياسي الذي باركته الكنيسة، بل، وسعت فيه كوسيلة من وسائل تمتين الروابط بين الملوك والأمراء. هكذا سقطت غرناطة مخلف-ة حقدا دفينا في نفوس أبناء اسبانيا، إذ كان وجود العرب على أرضها حافزا لها على الأخذ بأسباب النهضة التي عمت كل ممالك أوروبا الغربية وقتذاك، ظهرت النهضة في شتى مرافق الحياة الاسبانية، ولكنها اكتست حلة بهيجة في العلوم الجغرافية، فبعد أن كانت فكرة كروية الأرض محط جدال ونقاش بين الناس، أصبحت الآن من الأمور المسلم بها تقريبا، وبعد أن كان المحيط الأطلسي مثار مخاوف، ردحا من الزمن مخرت الآن مراكب كولومبس ورفاقه عبابه، فوصلوا على نهايته ضانين أنها جزء من بلاد الهند، ولكنها كانت أمريكا. أمريكا موطن الثروة والذهب، وما هي إلا فترة حتى ملكت اسبانيا المتحدة، معظم أجزاء الدنيا الجديدة، فأصبحت بفضل ذلك إمبراطورية استعمارية شديدة البأس قوية الإمكانيات، فليس من العجيب إذن أن تلتفت إلى المغرب تحاول أن تأخذ بثأرها وتنتقم لنفسها من الاهانة التي ألصقها العرب بجبينها. فكان المغرب والحالة هذه في خط النار الأول من المعركة الانتقام من المسلمين، وكانت شواطئه الشمالية هدفا لهجمات متكررة يشنها الاسبانيون بين الفينة والأخرى. أن هذه الشواطئ هي التي اتخذها فيما قبل موسى بن نصير، وطارق ابن زياد، ويوسف بن تاشفين، والمنصور ألموحدي، وغيرهم من صناديد المغرب، أقول اتخذ هؤلاء من هذه الشواطئ قاعدة إستراتيجية لاحتلال اسبانيا، فلا عجب إذا هفت إليها الآن قلوب القادة الاسبانية تريد بسط سيطرتها عليها.

وأما الدولة العظيمة الثانية فهي البرتغال. البرتغال عاصرت اسبانيا، وأخذت هي بدورها بأسباب الرقي والتقدم، واكتشفت هي الأخرى اكتشافات جغرافية، ولكنها كانت تقول بفكرة الطواف حول إفريقيا للوصول إلى بلاد الهند مركز العقاقير. فاصطدمت في طريقها إلى الهند بالشواطئ المغربية الأطلسية، فاحتلت طنجة والعرائش وأسفي وآزمور، وبنت حصونا منيعة كحصن (فونتي) بالقرب من (أجادير) وبنت مدينة الجديدة، ولا تزال آثار هذه المدينة إلى الآن تشهد بذلك الاحتكاك البرتغالي-المغربي وهكذا كانت المصلحة الاقتصادية تحرك همم البرتغاليين في احتلال شواطئها الغربية.

وأما الدولة العظيمة الثالثة، فهي الإمبراطورية العثمانية الناشئة. هذه الدولة التي قامت على أنقاض الإمبراطورية البزنطية في العصر الوسيط، فورثت أملاكها وأضافت إليها أقاليم العالم العربي من العراق إلى بلاد الجزائر. وكانت هذه الإمبراطورية تدعي أنها تحمي حمى الإسلام، ولذلك تسمى سلاطينها بالخلفاء واصبغوا على أنفسهم حلة دينية قشيبة سهلت لهم فتح أقاليم العالم العربي. وبهذه الحلة نفسها أرادوا دخول المغرب، ولكنهم فشلوا دون مسعاهم كما سيتضح لنا بعد قليل.

*

ولنرجع داخل المغرب فنقول بأنه في الوقت الذي تكالبت فيه هذه الدول كلها لاحتلاله كان محكوما من قبل سلالة مستضعفة هي السلالة الوطاسية. ففي عهدها أصاب المغرب عدة نكبات، خروج العرب من الأندلس، ولاحتلال الأسبان لمليلية، ووصول الأتراك إلى بلاد الجزائر واحتلال البرتغاليين لمعظم شواطئنا الغربية. فالوضع الداخلي إذن كان سيئا جدا، لكنه سوف لا يبقى كذلك، بل ستنظم حركة في منطقة السوس بزعامة السعديين، وكان القصد منها تطهير البلاد من كل مظاهر السيطرة الأجنبية مهما كان نوعها. أنها حركة مباركة حمل لوائها السعديون. وإنها مهارتهم ودبلوماسيتهم، فكيف استطاعت هذه الحركة أن تحمي الحدود وتطهر البلاد من كل متعد أثيم؟.

لقد لجأ ثاني سلاطينهم الملقب بالأعرج إلى منطق القوة حيث أرغم البرتغاليين على إخلاء مراكزهم المحصنة في أسفي وفي عهد خلفه السلطان محمد الشيخ جلا البرتغال عن آزمور وفونتي، ذلك الحصن الذي وصفه المؤرخون الأجانب يكونه امنع من عقاب الجو. وكان لسقوط هذه الحصون المتوالية في يد الجيش المغربي صداه الكبير في داخل البلاد وخارجها. فبالنسبة للداخل تحقق للسعديين ظفر كبير اكسبهم شعبية على حساب الوطاسيين الذين لم يستطيعوا درء الخطر الداهم عن البلاد. وبالنسبة للخارج اخذ الدول

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥٨٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥٨٨