دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 .................... ص55
الأحمر، أن شواظها نسيم عليل .. يا للنهاية العجيبة! لقد أصبح كل شيء يحرق ما عدا النار!! إنها وحدها النسيم العليل الباقي على الأرض، إنها الشيء الوحيد الذي ما يزال يعرف الوداعة واللطف ...
وتنطلق رائحة الشواء لتنعش أنوف الشياطين، إنها ولا شك رائحة النيران التي تشوى لتوضع على مائدة العشاء الأخير .. يا إلهي! أنه يبدو أن الرائحة تزيد الأبالسة جنونا وهم يهتزون ويرقصون ويصرخون ويلوحون بأيديهم في الهواء المعطر برائحة الشواء المثيرة ..
ولكن رائحة الشواء المثيرة ليست رائحة نيران العشاء الأخير .. وإنما هي رائحة منبعثة من مكان قريب جدا منه .. إنها تنبعث من جسمه هو المشدود بحبال الكهرباء إلى الحديد المحمر المضطرم.
وعيل صبره، فصاح بأعلى ما يستطيع كأنه يتحدى صراخ الأبالسة،: على بنيرانكم الحامية! افعلوا شيئا لأجل أن أتخلص من الأرض الذاهبة، والشمس الذارية، وبشرية اللاجئين .. إنني آخر إنسان تحتفل عبقر في شخصيه بنهاية العالم، نهاية الهواء الطلق، والتسلسل، وعبقرية التفكير، ونبوغ الإنسان المثالي الأعلى، أنقذوني لا خفف من آلامي بالتردي في الجحيم.
وفجأة تقمصته روح جبارة، تلك الروح العتيدة التي يقتنصها الإنسان من يأسه، فشد نفسه شدا عنيفا تقطعت له الحبال، وداعي الحديد، فوقف الرقص، وجمدت الحركات البهلوانية، وهمد الصراخ، وتطلعت غليه العيون الرخوة التي تثير الاشمئزاز والتقزز في أقسى القلوب.
ساد سكون مطبق، فأخذ يسعى بخطوات ثابتة نحو النار التي كان ينبعث منها نسيم عليل ... وأخذ يتسلق سلما كأنه سباح يتسلق منصة للقفز، في حمام سياحة، وتوهجت عند قدميه النيران، فرفع ذراعيه وأهوى إليها في اطمئنان .. إلى الرحمة .. الرحمة .. وعالم النسيان الوثير .. كما لو كانت يد خفية قد شنقت فجأة زوبعة عاتية .. فانمحى كل شيء ..
إنها الرحمة، رحمة نهاية العالم، ألقى بنفسه إليها محموم ..