دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 .................... ص 44
إفريقيا الشمالية كما تتلاحق هضاب دبدو مع هضاب تلمسان وتتلاحق نفس الهضاب من الجزائر إلى قبل الصحراء «تندرارة» وفي هضاب الجزائر والمغرب الشرقي تكثر الحلفة وقطعان الغنم التي تباع في بركنت وتصدر على الخارج من وهران وتعتبر فجيج مركزا هاما في الأطلس الصحراوي المغربي الجزائري على أن سهول وهران نفسها إنما هي امتداد طبيعي لممر تازة أو العكس
وتوجد في المغرب العربي نفسي المعادن تقريبا (الفوسفاط والحديد والزنك والرصاص والنحاس، وان كان المغرب الأقصى ينفرد بالمانغنيز والقصدير والكوبالط والموليبدين والأخص الفحم والبترول).
وخلاصة القول هي «أن إفريقيا الشمالية واحدة في جميع مظاهر حياتها الماضية والحاضرة» كما يقول الكولونيل يوطس في كتيبه عن إفريقيا الشمالية (ص 55) فهي «كتلة متراصة لا يمكن تجزئتها» والعوامل شتى «لهذا التماسك وتلك الوحدة» بين أجزاء جزيرة هائلة عاش سكاتنها منطوين حول أنفسهم آلاف السنين في حين هيأت لهم الوضعية الجغرافية الخاصة أسباب التواصل فتيسرت في جميع العصور عوامل التبادل من أقصى المغرب إلى أقصاه بين عناصر تجمعها أرومة واحدة سلسلة من المسالك السهلة تمتد من تونس عبر ممر تبسة إلى هضاب وهران ومن ممر تازة إلى المحيط الأطلسي! هذه الطريق التي عبرها عقبة بن نافع منذ أزيد من ألف عام لتوطيد قدم العروبة والإسلام هي التي وصفها ويليام مارسي بأنها «الخط الأكبر للحياة في المغرب الإسلامي» وهذه الطريق تتخلل الأطلس الثلاثة لتضفي على المغرب العربي وحدة جغرافية خاصة تجعل هذا الجزء من القارة الإفريقية فريدا في بابه لاسيما إذا أضفنا إلى ذلك وحدة الطقس التي تنشر على الكل سربالها الدافئ المشع بنوره الأزرق اللماع.
والمغرب العربي يعتبر من الوجهة الاقتصادية قطرا فتيا فلاحيا في جوهره ينطوي على قابلية ذاتيو للتصنيع نظرا لوفرة المواد الخامة واليد العاملة ولا تزيد التطورات الحديثة هذه المغارب الثلاثة إلا تقاربا لأبلغ وامتن.
وهذه الوحدة الخاصة التي تجعل من المغرب العربي وصحرائه كتلة من جميع الوجوه لا تتنافى مع الوحدة العامة التي تربط المغرب بالعالم العربي والتي تتجلى مظاهرها في وحدة اللغة والحضارة والدين والعواطف وكذلك التاريخ.
فالقطر الليبي هو امتداد طبيعي للمغرب نحو الكنانة وباقي أقطار الشرق، تجمعه بالمغرب وحدة الجنس علاوة على وحدة التاريخ والحضارة ولكنه ينفصل عن المغرب جغرافيا واقتصاديا، لان الأطالس تمتد إلى تونس فقط ولان الصحراء تمتد في ليبيا إلى الشواطئ نفسها.
ولا يختلف وضع مصر عن ليبيا بالنسبة للمغرب إلا قليلا إذا اعتبرنا أن الأقباط ينتمون إلى نفس الفصيلة اللغوية التي ينتمي إليها البربر وان مصر كانت دائما معبرا بين الشرق والمغرب العربيين وصلة وصل حية بينهما.
فعن طريق مصر دخل إلى المغرب الفاتح العربي ثم تدفقت بعد خمسة قرون موجة العرب الهلاليين والمسلمين الذين تواردوا إلى الصعيد المصري من جزيرة العرب التي تصلها بالمغرب زيادة على هذه النفتة الجنسية التي كان لها أعمق الأثر في التاريخ-أسباب أخرى لا تقل عن الأسباب التي تربطها بباقي العالم العربي.
وبلاد الشام التي أنت مهد الخلافة الإسلامية في العصر الأموي والتي كانت حدودها السياسية والجغرافية والحضارية تتغلغل بين دجلة والفرات والأردن إلى صحراء فلسطين كانت أيضا مهد الفينيقيين الذين نشروا في جناحي العروبة الشرقي والمغربي نفس الحضارة بما فيها من أبسط المظاهر حتى الاقتصادية منها حيث «أن الفينيقيين هم الذين حملوا من الشام إلى المغرب للمرة الأولى الزيتون والتين والكرم والرمان (الكولونيل بوطس 82).
ومن هذا العرض الموجز تتجلى لنا في أعمق مظاهرها وأبهى مجاليها تلك الوحدة العريقة التي تجعل من المغرب العربي مجموعة متراصة ينتظر أن تقوم بدور هام في حوض البحر المتوسط خصوصا والعالم الحر عموما مع شقيقاتها العربيات.