تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 .................... ص 33

استقلال الشخصية الإنسانية في الإسلام

للأستاذ: عبد العزيز بن إدريس

أول تحويل في أسس الدين قام به الإسلام ودعا له هو الاحتفاظ بشخصية الإنسان إزاء الدين بل وتقويتها وتنميتها.

ذلك أن الطابع الذي كانت تنطبع به الديانات قبل الإسلام هو طابع التسليم وإهمال الفكر وانعدام الشخصية، والاستعباد العقلي، فلم يكن الرؤساء الدينيون يسمحون لأتباعهم أن يسألوا عن الأسباب والعلل ولا أن يحركوا أفكارهم وعقولهم فيما يملونه عليهم، بل كانوا يفرضون عليهم قبول كل ما يلقى عليهم واعتقاد أنه الحق والصواب مهما كان بعيدا عن المعقول أو مخالفا لأبسط قواعد المنطق، ويعدون الخروج عن هذا المنهاج هرطقة وإلحادا.

وهذا الطابع من أكبر الأسباب التي جعلت القبائل العربية بعيدة عن التأثر بالديانات الثلاث التي جاورتها قرونا عديدة، فلم تنفعل لها النفسية العربية لأنها مطبوعة على الصراحة والوضوح وحدة الذكاء، التي تتنافى مع السكوت والتسليم وإهمال العقل، تلك الصفات التي اكتسبها العربي من سمائه الصافية وحياته البدائية البعيدة عن كل تزويق وزخرفة.

ولا يقدح في هذا المراكز التي كانت اليهودية والنصرانية سائدتين فيها، فإنها -زيادة على ندرتها- تكونت من المهاجرين اليهود الذين اضطروا إلى النزوح عن فلسطين، أما النصرانية فلم توجد إلا في مشارق الشام والعراق وفي اليمن.

فلما أعلن النبي عليه السلام الدعوة الإسلامية اعتمد على أساس وجود الشخصية الإنسانية معترفا بأهميتها، فوجه الخطاب إلى العقل، وأحيى الضمير، وجعل لكل كيانه الخاص، وحمل كل فرد مسئولية نفسه أمام الإلاه، وأسقط الوسائط بين الإنسان وربه مهما كانت قيمتها، وقضى على الدكتاتورية الدينية، ومنح الإنسان الرشد الفكري والاستقلال العقلي.

وبالجملة فإن إعلان الدعوة الإسلامية يعتبر-بحق- حجرا أساسيا في طريق القضاء على العبودية الفكرية وإخضاع الإنسان للإنسان، ونقطة الانطلاق في ميدان التحرر الفكري، وليس هذا أمرا كماليا في الإسلام، بل هو أمر حيوي وشيء أساسي، ومن الأمور الضرورية التي لا يمكن للمسلم أن يكون إسلامه مقبولا من ناحية العقيدة إلا بالاعتراف بها، بل هو أول لوازم المدلول الأولى لكلمة الشهادة التي تنزع الصبغة الإلاهية عن جميع المخلوقات، ويرجع إلى مبدأ إلغاء أفضلية شخص على آخر وتفوقه عليه بغير الوسائل العادية والأسباب الطبيعية.

والمتتبع لنصوص الإسلام وتشريعاته يصل إلى درجة اليقين بأن هذا الطابع سار فيها سريان الدم في الجسد والماء في الأغصان.

ومن الممكن استنباط ذلك من الأمور الآتية:

1) قوله تعالى في سورة سبأ آية (46) يخاطب المعاندين ويدعوهم إلى التأمل والتفكير: ?قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ?

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥٢٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥٢٩