تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 .................... ص 29

وليس من تأليفه (السر المكتوم في مخاطبة النجوم) خلافا لما زعم الذهبي، وقد حمل السبكي في طبقاته على الذهبي في ذلك حملة منكرة، ونسبه على التعصب على الإمام، وانه ليس لذكره في الميزان من داع حيث أن الرجل ليس في صف المحدثين.

مادة فلسفته ورسمها:

كانت فلسفته نظرية على رأي أرسطو وهي الفلسفة التي اعتنى بها العرب كثيرا، ويحدثنا ابن القفطي أن الرازي وقف على تصانيف أبي علي بن سينا، والفارابي، وعلم من ذل علما كثيرا، وقد ذكر الغزالي في المنفذ من الضلال انه لم يقم بنقل علم أرسطو من المتفلسفين الإسلاميين مثل الفارابي وابن سينا.

الرازي يحاول الجمع بين الدين والفلسفة:

يرى الرازي أن الفلك الأعظم هو العرش، وهذا من محاولة الجمع بين الدين والفلسفة، وقد حاول هذا غير واحد من فلاسفة الإسلام كابن رشد في كتاب فصل المقال، وابن الطفيل في رسالة حي بن يقظان، وأعظم فيلسوف سعى إلى ذلك هو ابن سينا، قال المارزي: أعظم فيلسوف حاول رد أصول العقائد إلى علم الفلسفة هو ابن سينا، قال: وتلطف جهده حتى تم له ما لم يتم لغيره، وممن تصدى لذلك وافرغ له جعبة معارفه أصحاب رسائل إخوان الصفا.

أما نظري في هاته المحاولة فهو أنها من الأعمال العقيمة، فإن ما كان ثابتا ثبوتا يقينيا لا يمكن أن يتصادم مع الدين بحال، وما كان من حيز الأداء والظنون التي قد تطفو اليوم وترسب الغد، فالقرآن أعلى منه منالا، فلا معنى لهذه المقارنة، لا سيما ووجهة الدين غير وجهة الفلسفة، فهذه مسئلة الأفلاك وما ارتأى اليونانيون في حقائقها، واثبات النفوس لها، أصبح ذلك من الأوهام والخيالات في نظر العلم الصحيح، على أن جملة معارفهم في الهيئة أصبحت اليوم كهباء منثور في زوايا العلم، وألاحظ بالخصوص على رسائل إخوان الصفا، فقد اشتملت على فلسفة فيتاغورس التي هي أرك المذاهب الفلسفية وأرذلها، وربما اشتملت على ما هو كفر مع تزيينه والاحتجاج له

بعض نظريات الرازي العلمية مع عرضها على محك البحث الجديد

وقد أوردناها كصورة مصغرة لقيمة تفكيره البيولوجيا (علم الحياة)

الرازي أول من تحدث عن مذهب النشوء والارتقاء، وأشاد ببطلانه، تحدث عن ذلك لدى قوله تعالى (ومن ءاياته أن خلقكم من تراب ثم إذا انتم بشر تنتشرون). فقرر أن التراب ابعد عن قبول الحياة من سائر الأجسام، لان عناصر ابعد من المركبات، لان المركب بالتركيب اقرب درجة من الحيوان، والعناصر أبعدها التراب، ورتب الموجودات من أدناها إلى أعلاها: المعدن، ثم النبات، ثم الحيوان، ثم الإنسان.

ثم بين أن نكتة (إذا الفجائية) في قوله تعالى (ثم إذا انتم بشر تنتشرون) الإشارة على أبطال التحول، وان الإنسان خلق من أول نشأته إنسانا، لا انه انتقل من مرتبة أخرى قبل الإنسانية.

وقد قال محمود بن سالم في خطبة ألقاها بالجمعية الجغرافية المصرية: أن جميع معضلات المسائل التي لا تزال قيد أنظار الباحثين وغل ألبابهم، ناقشها علماء الإسلام من قبل، ونضرب لكم مثلا مذهب داروين، فقد وقف عليه مفسرو القرآن وانفاضوا فيه، وداروين وءاباء داروين ضمير في الغيب مستتر، ولمن شاء التحقيق أن يراجع تفسير الفخر الرازي.

ومما يقوي ما يراه الرازي ويراه أيضا كل معتمد، ما نشاهده من أن لكل نوع من المخلوقات كيفما كانت درجته اتجاها خاصا وميلا لا يعدوه، وبهذا نقض الفيلسوف (نرجسون) مذهب التطور في كتابه التطور المبدع، وأجاد القول في توضيح ذلك، زيادة على النقوض العديد التي اوهت هذا المذهب، ومنها عجزه عن تعليل الإلهامات في الحيوانات، ومنها أن التخول الفجائي كما في الشرنقة مما يدكه من أساسه.

الحقيقة الإنسانية عند الرازي

الرازي يرى أن الحقيقة الإنسانية هي الروح، وان الإنسان ليس مجموع هذه البنية، ويحتج على ذلك بان أجزاء هذه البنية في الذوبان والانحلال والتبدل، والإنسان المخصوص باق من أول عمره إلى ءاخره، والباقي مغاير للمتبدل، ويستنتج من هذا حقيقة الإنسان هي الروح، وهو مذهب النظام، والحديث عن هذه المسألة شهير، وقد استفدنا من كلام الرازي قضية تبدل الأجسام بالتحلل والاستعاضة (أو قال النمو والذبول) وهو أمر معلوم، حتى أن الجسم كله ليتبدل في سبع سنين كما أنبته العلم.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥٢٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥٢٥