تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 .................... ص 20

إلى مدى بعيد، كان يصرح بما كانا قضياه معا في المباهج-وأنا اعرف ما يقصده أمثاله بالمباهج- فقلت له: ومتى اتصل بك أخير بعد اندفاعك هذا الاندفاع الجديد في طريق أبحاثك؟ فقال: لعل بعض من طرقتي من أصحابنا ورأى مني أعراضا عنه، واشتغالا بما أنا فيه، أخبر بنيس فولج على الدار في الساعة التي توصلت برسالتك المسوقة فيها بنود الديانة التي اجمع عليها الفلاسفة الروحانيون، فلما طالع الرسالة ألقاها إلى وهو يمد شفتيه على احد شقي وجهه ويهز كتفه، ولم يقل لي شيئا، كأنه أراد أن يحترم شعوري، وان لا يتداخل في أمر يعنيني وحدي قبل أن ادعوه إلى الدخول فيه، فحين ألقى الرسالة باشمئزاز قلت له:

ألم يعجبك ما في الرسالة حتى رميتن بها هكذا؟ فقال:

أن هذه أبحاث لا ناقة لي فيها ولا جمل، فقلت له:

اولست مسلما؟ فقال:

بلى! ولكن ولكن ولكن ولكن. وصار يكرر الكلمة كأنه يريد أن يقول شيئا فلم يطاوعه لسانه، ثم ضحك ضحكة هزتني، وقال وهو يمد على يده:

دعني من هذا وقم إلى ليلة انس هيأتها لك خاصة لترى براعة الجمال الأهلي، فقد صرت دائما تزعم أن الأوربيات هن البارعات وحدهن، فقلت له:

أتذوق حقا حلاوة دين، ثم تسترعي أفكارك بعد، أمثال هذه اللذات؟ فإنني منذ ذقت منذ أيام لذة دين الفلاسفة الروحانيين لا أزال في نشوة عظيمة لم أجد معها بعد داعيا إلى الالتفات إلى نحو ما تقول. أتدري يا صاحبي إنني وقعت في هذه الأيام على اكتشاف عظيم ملأ جوانب صدري عظمة؟ فقال وهو مكفهر الوجه:

احسب أن السقطة التي نالتك بعد ملاكمة فلان أمام متجري هي التي كستك خجلا أمام الناس، فانزويت عنهم، خصوصا حين علمت أن تلك الراقصة ضحكت كثيرا على ذقنك، فخاصرت في الليلة الثانية من ألقى عليك درسا قاسيا من القوة والجلد، حين أرسل إليك قبضته العظيمة فخررت بها صعقا.

فقلت له:

كلا وألف كلا، فان الذي فاجأني فغير حياتي لم يكن فيما اعرف عن طريق تلك السقطة ودخلت معه في ملاجة ومحاورة، إلى أن قلت له:

أن عقلي لم يدرك في هذه اللذات التي أمضينا فيها ما أمضينا من شرخ شبيبتنا فائدة، فان في صون الأخلاق والعفاف مرؤة وإبقاء على المال.

فلما رأى بنيس مني الجد، وإنني اعرض أعراضا عما دعاني غليه، وعدني بدراسة الموضوع معي، وصار يظهر لي مما يقول رجحان عقل، وبراهين مقبولة، وهو الذي أيدني في الذي قرأته من الرسالة الأخيرة، فسأله من نابغة له حجي واسع، وذكاء فائق.

اخبرني حماد بكل هذا، فأدركت باستشفاف وتوسم، أن بنيس ممن لا مبدأ لهم، وان كان يتمتع بالذكاء النادر، فعرفت انه يقدر أن يحول بين حماد وبين سعادته، وارتأيت أن أحول بينه وبين حماد بكيفية لا يشعر بها الرجلان، فأثنيت على حماد حين تثبت ولم يسلس القياد لبنيس، فتبسم قال: أن مما أنشدني بنيس وهو يحاول أن يستجرني على ما يريد:

تكثر ما استطعت من الخطايا

تعض نوامة كفيك مما

فانك بالغ ربا غفورا

تركت مخافة النار السرور

ومما أنشدني أيضا:

خلقت الجمال لنا فتنة

فأنت جميل تحب الجما

وقلت لنا في الكتاب اتقون

ل فكيف عبيد لا يعتقون

ثم قال أتوافق هذه الأبيات الإسلام حقا؟ فقلت له وأنا انظر إليه بجد:

عد عن هذه النظريات السافلة، فان من يجالس الفلاسفة العظام مثلك، ويرى لنفسه حرمة، لا يفضل له وقت يمضيه في النظر إلى هذه السفاسف، فاقبل على إتمام ما أنت بصدده بكليتك كما يفعل أعاظم الرجال، فقد قال (شارل ديكنس) وقد سئل عن سر نجاحه.

(إنني ما مددت مرة يدي إلى أمر لا اقدر أن انصرف إليه بكليتي).

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥١٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥١٦