تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.1، ع11 /مايو 1958 .................... ص 39

تنكر لأمنيته

للأستاذ: محمد الفهري الفاسي

نشأ في جو كهربه الاستعمار برقابته الخالقة وظلمه القاسي، فلم ير خلال طفولته بصيصا من ذلك النور القوي الذي يملأ القلوب سعادة، ويذيب ما علاها من كدر.

أرضعته أمه لبنا شابه اليأس والقنوط، وهدهدته على أنغام حزينة كثيرا ما خالطها الأنين، وكثيرا ما قاطعتها الزفرات على سيد الأسرة المعتقل، ونام في مهد بلله دمع أمه الحزين، واستيقظ على ولولة النسوة عندما أتى الجند لتفتيش بيت الجار، ولعب في فناء البيت، لكن لعبه لم يكن كلعب أطفال الدنيا، بل كان لعبا يقاطعه مجيء أمه الخائفة عليه كلما سمعت وقوع أقدام الجند قرب باب المنزل، فتأخذه معها إلى غرفة وتغلق عليها الباب، فما تذوق لذة اللعب المتواصل مرة في حياته، فهو لم يلعب إلا خائفا.

وباغ سن الدراسة، والتحق بالمدرسة، ومر في الشوارع والأسواق، وسمع الناس يتحدثون عن حالة البلاد وعن حقوقها المهضومة، واجب أن يفهم فلم تعوزه الفرص.

رأى شرطة أجنبية شاكية السلاح تخترق شوارع المدينة وهي تسوق أمامها مواطنين مكتوفي الأيدي واخذ فكره يتفتح يوما بعد يوم، ويرغب في التطلع والمزيد من المعرفة. لم يكن يبحث عن أسرار الطبيعة في حشراتها ونباتاتها ... كانت فسألته الكبرى أن يجد تعليلا لوجوده: فهو يبحث عن نفسه أكثر مما يبحث عما يحيط به.

وأخذت ثقافته تتسع يوما بعد يوم، وامتدت معرفته إلى ما وراء حدود بلاده، فسمع أنغاما جديدة ما عهدها من قبل، أنغاما اهتزت لها مشاعره وطربت لها نفسه، أنغاما تشيد بالحرية والسيادة تنبعث من قلوب قوم موفوري الكرامة، لهم حقوق، وعليهم واجبات. وتسمع من وراء الحدود الشائكة إلى هؤلاء القوم فأحب أن يكون مثلهم، وان يتذوق لذة هذه الحرية وهذه السيادة التي يتغنون بها.

وانفتح عقله لأفكار جديدة استوحاها مما قرأ لمفكري الإنسانية جمعاء، وتبلورت هذه الأفكار في ذهنه في فلسفة جديدة، وجدت في خياله المضطرب ميدانا شاسع الأطراف، فأخذ يربيها ويرعاها بعناية، ويقدسها ويخاف عليها أن يدنسها الواقع المر الذي يعيش فيه.

وما فتئت تلك الأفكار تحوم في رأسه إلى أن استحالت إلى خطوط واضحة:

(أريد أن أكون حرا موفور الكرامة):

ثم خرج إلى الشارع فرأى السخط بادي على جميع الوجوه، فعلم أن الزوبعة التي كان رأسه ميدانا لها، قد امتد مفعولها إلى رؤوس قومه جميعا.

وأخذ الاضطراب ينفذ على جميع الميادين، وصار الموقف حرجا في البلاد، واختلت مقاييس المسيطرين، وتعطلت دواليب الإدارة الاستعمارية، وتجلى العجز في كل أعمالها. فوقف صاحبنا مندهشا لما يحدث ولما يرى ويسمع، كيف يمكن أن يكون هذا؟ كيف يمكن أن تتعطل هذه الآلة الضخمة التي كانت تستطيع إلى زمن قريب أن تحصى على المواطنين أنفاسهم، وان تعلم ما يجول في ضمائرهم. الإقامة العامة ... ! الإقامة العامة ... !!!

رددها مرات ثم قهقه ساخرا ومستغرقا في آن واحد عند تلفظه بهذا الاسم المركب وأصبح بعد ذلك كلما اتسعت نقطة الضعف في هذا النظام ازداد إيمانا بمبدئه وغيرة على حقوقه، وكأنه في عراك مباشر مع أولائك القوم الذين فرضوا وجودهم فرضا عليه وعلى أمته.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٨١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٨١