دعوة الحق، س.1، ع10 /ابريل 1958 .................... ص 31
عوامل اختفاء المذهب الاسماعيلي من افريقية الشمالية
الأستاذ: محمد الناصري-باريس
هل انتشر المذهب الاسماعيلي في إفريقيا الشمالية؟
وهل كان قيام الدولة الفاطمية فيها ثمرة انتشار هذا المذهب؟.
هل تعمق البربر في فهمه والإحاطة بما يحتوي عليه من تشريعات ونظريات اجتماعية وسياسية واقتصادية؟.
لماذا اختفى منها دون أن يخلف في المحيط العقائدي بعض الرواسب؟؟؟
لنحلل هذا المذهب أولا، ولنحاول بعد ذلك أن نتعرف على مختلف الاتجاهات للإجابة على هذه الأسئلة الحائرة.
الإسماعيلية إحدى فرق الشيعة، وتسعى أيضا الإمامة، لان أنصارها كانوا يسندون الإمامة بعد الإمام السادس جعفر الصادق إلى ابنه إسماعيل الذي نسبوا إليه، وأحيانا تدعى الباطنية التزاما لمذهب النقية الذي كان له دور فعال في نجاحهم في مختلف المراحل التي مروا بها، فالإمامة عندهم مختفية، وليس في وسع كل إمام منهم الظهور، إلا بعد أن يأنس من نفسه الاستعداد وحين انس عبد الله المهدي أن جانبا من القوة يسنده أعلن نفسه وأسس الدولة الفاطمية ...
وقد بني المذهب الاسماعيلي عل أسس هي نفس الأسس التي بني عليها المذهب الشيعي بصفة عامة، وهي المهدية والرجعة والتقية والعصمة ... وكان للإسماعيلية اتجاه خاص في التشريع الإسلامي، لان المصادر التي كانوا يعتمدون عليها في هذا التشريع هي القرآن بالتأويلات والتفسيرات التي يختارونها، والتي يتلاءم مع أهدافهم، والسنة برواية الشيعة، وحديث الإمام المعصوم الذي يتلقى الوحي والإلهام، وقد وضعوا نظاما اشتراكيا خاصا يهدف إلى نزع الملكية الكبيرة، وتوزيعها، كما كانت لهم آراء خاصة في العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة.
وقد نشا المذهب الشيعي بصفة عامة في أول خلاف على إسناد الخلافة بعد وفاة الرسول عليه السلام، وكان من رأي أنصاره أحقية علي بالخلافة وفي أعقاب خلافة عثمان ظهر هذا المذهب إلى حيز الوجود بعد أن ساعدت عوامل كثيرة على ارساء دعائمه.
ونستطيع أن نلمح من خلال هذه النظرة السريعة على المذهب الاسماعيلي، آثار بعض الديانات والمذاهب التي كانت منتشرة لدى الفرس، مثل الزرادشتية والمزدكية والمانوية وغيرها، ويسود هذا المذهب كثير من التناقض، لأنه مر بمراحل مختلفة في تكوينه، فلم يستقر في أول هذه المراحل على اتجاه معين، كما يسوده الغموض أيضا، لان الأدوار التي مر بها كانت تحتم على الدعاة إليه إحاطته بسياج من الكتمان.
وليس يهمنا أن نتعمق في تحليل مختلف العناصر التي تكون منها هذا المذهب، وإرجاعها إلى مصادرها الأولى التي انحدرت منها، وإنما المهم أن نحاول استجلاء هذه الحقيقة. وهي:
هل كان نجاح الفاطميين في إقامة دولتهم بافريقية الشمالية نتيجة انتشار هذا المذهب، أم أن هناك عوامل أخرى حققت هذا النجاح؟.