تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.1، ع10 /ابريل 1958 .................... ص 21

كثيرة لتيسير الاتصال وتوفير أسباب الراحة، ومن أعظمها وجود الماء بكثرة لا مزيد عليها في كل منطقة، ولولا ذلك لما كان الموسم سالما بالنسبة لقلة عدد الإصابات، خصوصا وقد كان عدد الحجاج في هذا العام حسب الإحصاء الرسمي مليونا وثلاثة آلف وبضع مآت، مما نظن انه لم يتقدم له نظير منذ فرض الحج في الإسلام، فقد كان أقصى ما يصل إليه عدد الحجاج ستمائة ألف نسمة، وجاء في بعض الأحاديث أن الله عز وجل يتكفل بإكمال هذا العدد من الملائكة أن لم يكمل من البشر.

وقيل لنا أن السبب في كثرة الحجاج هذا العام، أن الملك سعود أذن لكافة قبائل العرب من نجد بالحج، وكان قبل لا يؤذن لهم إلا في نطاق محدود، وربما كان ذلك لما شاع من المخاوف حول طريق الحج البحرية، بسبب حوادث خليج العقبة، فغلب الظن، أن الحجاج من الخارج سيكونون قلة في هذا العام، وعليه فالكثرة الكائرة من هذا العدد كانت من الداخل .. وهو شيء ملحوظ في السحن والهندام والسلوك ...

وقبل الغروب اجتمع إلينا كثير من الحجاج المغاربة، وقضينا ساعة الوقوف في التلاوة والذكر والدعاء، وكان الدعاء لجلالة الملك وللمجاهدين الجزائريين ولشعوب الإسلام كافة من أكثر ما انطلقت به الألسنة، وأحر ما تدفقت به القلوب، ثقبله الله، وكانت ساعة خالدة ليست من هذا العالم الفاني في شيء، وإنما هي سمو بالروح وبالنفس وبجميع المشاعر إلى الملا الأعلى، ونسيان للذات، وطهره من جميع الرعونات، ومقام الإحسان الأول الذي يمن الله به على عباده المتقين، وهو الذي قال فيه النبي (ص) لجبريل (أن تعبد الله كأنك تراه) فلا حرمنا الله منه دائما.

ودفعنا بعد ذلك إلى المزدلفة، فقل في هذه البحار المتدفقة، ولا أقول الأمواج المصطفقة، من المؤمنين المخلصين، الذين جاءوا من كل فج عميق يرجون رحمة الله ويطلبون ثوابه، فكنت ارمي ببصري ذات اليمين وذات الشمال، فلا ينفذ البصر إلى آخر الكتل البشرية التي هي أشبه بغابات من الشجر تتحرك، وهذا زيادة على قوافل السيارات التي تزاحمت عرضا ما وسعها التزاحم، وأما طولا فلا يدرك لها البصر أولا ولا آخرا، على أن هذا ما هو إلا طريق واحد من عدة طرق فتحت هذا العام، كما قيل لنا إلى عرفات ... وصلينا المغرب والعشاء بالمزدلفة، والقطنا حصى الرجم، وكان منظر المشعر الحرام وقد أنير بالمصابيح الكهربائية العديدة من أجمل المناظر.

وفي صباح يوم العيد، قمنا بالأعمال التي يطلب منا القيام بها في منى، ثم توجهنا إلى مكة فطفنا طواف الإفاضة، وسعينا، وأحللنا من حجنا الإحلال الأول، ثم عدنا بمنى ورمي الجمرات.

ورمي الجمرات بمنى مشكلة من المشاكل، مع هذا الازدحام الشديد الذي لم تشهد منى مثله قط، ومع الحر الشديد الذي لا يتحمله مثلنا من سكان المناطق الباردة أو المعتدلة، ومع أن وقته المفضل هو الزوال قبل صلاة الظهر، فكيف يأتي فعله على الكيفية المطلوبة من الوقوف أمام الجمرة الأولى والثانية والدعاء عندهما الخ ... اللهم أن أحدا لم يكن يستطيع أن يقف ولو رمشة عين عند إحداهما، ولم يكن له يرمي إلا بمشقة عظيمة تكاد تزهق فيها النفس ... والعجب أن الرمي يبدأ بأثر صلاة الصبح خلافا للوقت المقرر في ذلك، ويستمر إلى الغروب، ولم ندر هنالك مستند الذين يرمون صباحا، فقلنا لنهم ربما قاسوا ارمي أيام التشريق على الرمي يوم الأضحى الذي رخص فيه النبي (ص) للنساء فجرا وان كان وقته المفضل هو الضحى، وقلنا أنهم ربما ترخصوا في تقديمه استنادا لحديث (فما سئل النبي (ص) يومئذ عن شيء قدم أو أخر إلا قال افعل ولا حرج) ولكن هذا في يوم النحر، والتخصيص واضح بقوله (يومئذ) واستبعدنا أن تكون هذه العوالم كلها على ضلال، وهممنا أن نقتدي بهم، ثم عرضت لنا الآية (ولا تقف ما ليس لك به علم) ولم تكن معنا كتاب أصول، فلزمنا ما نعرف واعرضنا عما لم نعرف.

ثم بعد الرجوع والمرجعة، وجدنا أن القول بجواز ذلك، أي الرمي أيام التشريق منقول عن عطاء وطاووس ولا مستند لهما، وان الحنفية رضخوا فيه يوم النفر فقط.

وخطر لي أن الناس ربما كانوا يتطوعون بذلك، ولكن هل يجوز التطوع بما لم يسنه الشارع؟

وذهبنا في صباح اليوم الأول من أيام التشريق اعني يوم ثاني العيد، لتهنئة جلالة الملك سعود بعيد الأضحى في قصره بمنى ... واكترينا سيارة أجرة لا تحمل علامة كالتي كانت معنا بمائة ريال سعودي اعني بما يساوي 10000 فرنك لمدة لا تتجاوز ساعة من الزمن، فليت شعري لو علم شرطي المركز بطريق جدة ماذا كان يفعل بصاحبها؟.

ولما وصلنا إلى القصر، أخذنا إلى صرادق عظيم كان منصوبا بالفناء، وفيه وفود من مختلف البلاد تنتظر خروج المهنئين الذين سبقونا، فانتظرنا معهم، ركان هناك رجل تظهر عليه سيما العمل وبيده أوراق لم يلبث أن نطق بكلمات كالخطاب، نوه فيها بالملك سعودي حامي الحرمين الشريفين ومحي السنة والمحافظة عليها حتى في لبس العقال وتوفير شعر الذقن، فلم اشعر أن قلت له أن النبي (ص) لم يلبس العقال، وليس هذا من أمور السنة، العقال بقوله: (ولا المقصب)

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٠٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٠٨