تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.1، ع10 /ابريل 1958 ............... ص 10

ثم حملق بعينيه ولم يدري إلا الله ماذا يقصد بذلك، فقال:

ارايت كيف يكون العلم والعلماء. لا ما يستهوي الأغنياء الاغمار الملاحدة ممن طمس الله بصائرهم، وخلف ضمائرهم، فصاروا يضنون العلم موجودا حقا في غير المسلمين.

ولم يكد يقول هذا، حتى تذكرت ما كان جرى بيني وبينه في سلا حين ذكرنا حكاية البعرة التي فقأتن العين، فعلمت حينئذ أنني هو المقصود الآن بتلك الحملقة، فهكذا برهن على انه لم يسلم لي ما كنت قلته له إذ ذاك، وحين كنت اعلم عقلية أمثال هؤلاء، تغافلت عن كل ذلك، ثم التفت إلى الفقيه، فازددت به تعرفا بسلام جديد-على العادة- ثم أبى الشيخ الصوفي أن يترك الجو حتى يكهربه، فقال:

أن هذا الفقيه مؤرخ أيضا، وستجد عنده-والحمد لله ما يزال به خجلنا نحن أهل جيله، إن لم نقدر أن نخوض معكم في تلك الأخبار- وان كانت علما لا ينفع وجهلا لا يضر، كما يقوله سيدنا مالك إمام دار الهجرة رضي الله عنه.

فقلت: جعل الله فيكم يا سادتنا البركة، وأطال لنا أعماركم، وسقانا من علومكم، فان كان سيدي احمد يقبل الأخوة لله معي فإنني أكون ممنونا بذلك، فلم أزل بمثل هذا الكلام أزيل به عن صدر السيد العربي ما أحس به قد ملأه نحوي، لأنني دائما اكره مساءة هذه الطبقة الممتازة بالإخلاص في الدين، الموقنة بأنها على الحق أبدا حق اليقين، وكنت أدافع عنها في كل محفل من محافل الشبان المولعين بالعبث بها والسخرية من جهلها بهذا العصر، ومن عادتي أن أتجنب المحاورة معها في العلوم الكمالية التي ليست من صميم المعتقدات، ما لم اضطر إلى تبيين الحق وإبطال الباطل، ثم لا افعل ذلك حتى يكونوا هم الملحين علي، وان كانوا بعد أن يفشلوا في المناظرة، يحملون لي مثل ما يحمله نحوي هذا الشيخ الصوفي الجليل اثر ما حصل بيني وبينه في سلا

حدث السيد العربي انه ما أتى به بعد أن تلقى الخبر بإرجاء المؤتمر، إلا ليفهم مني، أيقدر أن يؤمل من حماد قبول الإسلام أم ينفض منه اليدين ابد الآبدين

وقد ذكر انه ارتاع حين اقترح حماد إرجاء الاجتماع إلى ما بعد قليل، لظنه أن حمادا إنما قال ذلك تملصا من المجمع خوف أن يغلب فيه بالحجج والبراهين الكلامية، فقلت له:

أن لي رجاءا أكيدا في أن يهدي الله الأخ إلى ما تحبه، ثم حكيت له ما أمكن، مما ألقيته على حماد لعه يفكر في أمر الدين، فقال: إيه، كيف قلت له؟ قاعدت عليه ما قلت بكلام أكثر تفضيلا، وقد تضمن بعض ما سمعه مني في سلا من أن الأولى إقناع أمثال حماد بدراسة الكون ودراسة ما حواليه، فقال:

ماذا تقول أو لم تعرف ابن عاشر؟ فقد كان الواجب المحتم عليك أن تقرا معه ابن عاشر وتتبع معه توحيده يشرح ابن كيران وحاشية سيدي محمد القادري، فأما ما تقوله فانه يبعده عن المقصود منه، ولا أراك إلا ستحرمنا من أخينا، ولو كنت اعلم الغيب لما تركتك تلقاه قبل أن نجتمع معه، فتلقي عليه البراهين المستمدة من المرشد المعين ومن أم البراهين و ...

فقاطعه السيد احمد بن عبد السلام فقال: كان هذا الفقيه لم يستحضر إذ ذاك ما قال بعضهم:

عليك إذا رميت الهدى وطريقه

يحفظ لنظم كالجمان فصوله

والدين للمولى الكريم تدين

وما هو إلا مرشد ومعين

ثم قال السيد احمد: أن في عقيدة السنوسي المنثورة لكفاية لمن استعصى عليه فهم المنظومة لابن عاشر، ثم قال: وناهيك بشهادة الفقيه العلامة الصدر الأوحد المجاهد المتقن للمذاهب الأربعة فحل العلماء الذي تشد إليه الرحال سيدي عبد الله الورياكلي، في عقيدة السنوسي، فانه لما اتصل بها يوما وهو في مجلس تدريسه من رجل اقبل من تلمسان، فتأملها وتصفحها إلى آخرها، قال: الله اكبر والله ما خرج هذا الكلام إلا من صدر منور، ولله على أن لا تفارقني هذه العقيدة، ثم ادخلها في جيبه، فكان ذلك هو السبب حتى اشتغل الناس بقرائنها، وقد اجمع الناس كلهم على أن لا يأخذوا التوحيد إلا من عقائد السنوسي أو من المرشد المعين، ومن فعل ذلك فقد خرق الإجماع.

فقال السيخ الصوفي: ذكر أهل الكشف أن عقيدة السنوسي تقرا في الجنة كما تقرا في الدنيا، فهل عقيدة تقرا في الجنة تترك هي أو مثلها إلى كلام عقلي محض؟ أن هذا لهو الضلال المبين.

فقال له السيد احمد: هذا من تحكيم العقل، ولا يحكم العقل إلا المعتزلة لعنهم الله.

فقال له الشيخ: كان أسلافنا يبكون على الدين من المعتزلة لعنهم الله، مع أنهم مسلمون، وأما نحن اليوم فكيف يكون بكاؤنا من ملاحدة وأنصار الملاحدة؟ -كأنه يعنيني- ثم زفر زفرة يكاد ينشق بها صدره. فاهويت (وقد ظهر التأثر على وجهي) لا تكلم، فإذا بإبراهيم يقول: جزاكما الله خيرا، ورضي عنكما، فببركتكما إن شاء الله ينتعش الدين، ثم قال: إن وقت الصلاة قد وصل، فأقام الصلاة فصلينا المغرب وقرئ الحزب، ثم اشتغل الشيخ بأوراده المستمرة إلى العشاء وهو مستقبل القبلة، فانتبذت أنا أيضا عنهما بكتاب إلى ناحية أطالع، والفقيه السيد احمد يقرا شيئا يثيره إلا أن كلمات تفرط منه، فهمت منها انه يكرر محفوظاته

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٩٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٩٧