تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.1، ع9 /مارس 1958 ............... ص49

الوضعية الثقافية في الجزائر

في مؤتمر اللجان الوطنية العربية التابعة لليونسكو، الذي انعقد بفاس في أواخر شهر يناير المنصرم، حضر بصفة رسمية ممثلون للشعب الجزائري الشقيق، للقيم أنه كان من بين المواضيع التي اشتغل المؤتمر بدراستها، موضوع التقدير المتبادل للقيم الثقافية لبين الشرق والغرب، فقد قدم ممثلو لشعب الجزائري للمؤتمر هذه المذكرة التي تتحدث عن الوضعية الثقافية في الجزائر، ومدى تأثيرها على إمكان وجود تقدير صحيح ومتبادل للقيم الثقافية بين الشرق والغرب.

من الأهداف الرئيسية لهذا المؤتمر كما هو معلوم، دراسة مشروع يرمي إلى تيسير التقدير المتبادل للقيم الثقافية بين الشرق ولغبر. وأن تحقيق هذا المشروع البالغ الأهمية سيخطو بالإنسانية خطوة حاسمة في سبيل التفاهم والتعاطف ومحو الإضغان ولتنافس العقيم وأسباب النزاع، وسيكون من أقوى دعائم السلام الدائم المنشود، وسيقرب البشرية من اعز أهدافها، وهو إقامة حضارة إنسانية عالمية تلتقي فيها - متآلفة متكاملة - مختلف الحضارات القومية والمالية.

غير أن الدارس النزيه لهذا المشروع الهام يلاحظ - ولا مناص من ذلك - أنه لا تزال هناك مشاكل قائمة تحولا دون تحقيق هذا المشروع على وجه مرض وفي آجال معقولة. وأن انعقد هذا المؤتمر بالمغرب، ومكانة المغرب العربي الكبير في ملتقى الطرق والمجاري الفكرية الواصلة بين الشرق والغرب، يحتمان علينا أن نضع في طليعة هذه المشاكل، مشكلة تدهور القيم الثقافية القومية الأصلية في جزء من المغرب العربي، ومن العالم العربي، أعني الجزائر.

فقد اتفقت النتائج التي توصل إليها الباحثون الذين درسوا عن كثب الحالة الراهنة في الجزائر، على أن الثقافة القومية الجزائرية قد بلغت دركة من الانحطاط والمسخ، عديمة النظير في تاريخ الجزائر العربية، وفي سائر البلاد العربية الشقيقة. وهذا الدرك المفرغ الذي تردت فيه الثقافة القومية الجزائرية، هو نتيجة حتمية لخطة مدبرة محكمة، كانت ولا تزال تستهدف - باعتراف واضعيها أنفسهم - محو الثقافة القومية في الجزائر، في شتى مظاهرها اللغوي والأدبي والكري والديني وحتى الفني.

ولسنا مذيعين سرا إن قلنا أن هذه الخطة اللاثقافية قد فرضت على الجزائر فرضا، ابتداء من سنة 1830 ويكفي أن نقارن بين حالة الثقافة القومية في الجزائر قبل هذا التاريخ وبعده ببضع عقود، لندرك مدى صحة هذا القول.

فقد جاء في مادة الجزائر في دائرة المعارف الإسلامية (الطبعة الفرنسية) أنه في سنة 1862، لم يبق من 179 مسجدا ومدرسة التي كانت قائمة مزدهرة في عاصمة الجزائر قبل 1830 - لم يبق منها - إلا 48 فقط. أما بقية تلك الآثار الفنية والمراكز الثقافية فقد هدمت عمدا، أو نالها الخراب، أو حلوت عن أهدافها الثقافية إلى أغراض إدارية في غير صالح الأمة.

كما جاء في تصريح المسيو كومب سنة 1902 أمام مجلس الشيوخ الفرنسي قوله: «كانت الثقافة الإسلامية في الجزائر، قبل سنة 1930 اقل تأخرا مما تعتقده السلط الفرنسية، فغن عدد الدارس والمعاهد الثانوية والعليا كان يفوق الألفين، وكان مدرسون أكفاء غاية الكفاءة يثقفون شبيبة مجتهدة جادة في التحصيل».

وأضاف المسيو (كومب) قائلا في حديثه عن المعاهد العلمية في تلمسان «كان جمهور كبير من الطلبة»

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٦٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٦٦