في الفهم والادراك، والسر هو انهم يتناولون الموضوعات من حيث المقارنة البعيدة بين الذي نلمسه بايدينا، وراه بعيوننا، وبين الانفعالات التي يتاثرون بها لتصوير مجموعة من الحقائق الشكلية فيفرغونها في قوالب ومعاني فيها بريق من الفلسفة والتنويع اللفظي تجعلنا نتيه في رمشة عين مع المسالك التي تفضي بنا حتما إلى الظلام، بدلا من ان تقودنا إلى النور وفي غمرة هذه المداعبات (الكلامية) نطوي صفحات الكتاب وليس في ذهننا اثر لمعنى.
ومن المدهش ان الذين انكبوا على معالجة عدة قضايا بهذا الاسلوب نسوا انهم وضعوا بيننا وبينهم هوة سحيقة، فهم يلحون في الانتاج بكثرة، ونحن نجبر انفسنا - بحكم الغريزة - على ملاحقة انتاجهم ولكن مع الاسف بدون جدوى، ولهذا فمن الصعب جدا ان نلتقي بهم ماداموا يعافو المالوف، فكانهم لا يكتبون الا لانفسهم، وهم يرددون بكل اعجاب صدى ما ينفقون يوميا من (المفردات) دون ان يكون لصداهم أي رجح.
لقد اختلف الذين ينقدون ااساليب هذه المجموعة من (الكتاب) فمنهم من يغالي في انهم لا يفهمون ما يكتبون، ومنهم من يخفف الوطاة عليهم فينعتونهم بعدم هضمهم للواقه، ولهذا تخلصوا منه بهذه الطريقة السحرية البارعة، ولكي ساكون رفيقا بهم اكثر من بقية الناقدين، ذلك ما سيجعلني اكرر اننا في حاجة إلى انتاج اكبر ما يمكن انتاجه من الواقع الحي ليمكن لنا في يوم من الايام ان نباهي برصيد وافر من مقومات الحضارة والعلم، ونلاحق الركب الغربي في ازدهاره وتقدمه، ومن السهولة بمكان - على ما اظن - ان يتحرر الكاتب الرمزي من الغازه، وينصهر في معركة الواقع، فيصبح في يسوره ان ينتج في الاطار العادي الذي يتحمله العقل، وتتذوقه الحواس، وبذلك يسدي اجل الخدمات للثقافة العامة.
لقد تنقلت افة الرمزية بين النثر والشعر ولعل الجدل ل ينته بعد حول الشعر المرسل، وبديهي ان يحتدم هذا الصراع لان الخطر على الشعر كان اشد تاثيرا فيه من النشر، خصوصا وان المحاولة الجديدة بدات على قاعدة تحطيم الاوزان والتحرر من القوافي، وعدم التزام نظام التفاعيل، فاذن فما قيمة القطعة الشعرية لتي تحررت بكل هذه السهولة من القيود التي فرضت على البيت الشعري منذ عصر المعلقات، الحقيقة ان هذه القيود لم توضع عبثا، فمزايا القوافي والاوزان يظهر تاثيرها وجمالها في الرنين الموسيقي، وفي التجاوب بين سمو المعنى واصالة المبنى، بينما القصيدة المرسلة تبرز عادة في شكل اكوام من الحجارة المتباينة الاحجام، فلا هي في مجموعها توحي بفكرة المنزل القائم الاركان، ولا الجبل الشاهق الارتفاع، ولا الهرم المتجانس التركيب، والسبب ان مفعول الفن المعماري لم ينلها لا من قريب ولا من بعيد، فالقيود الشعرية القديمة في نظري بمثابة التصميم الذي يضفي على البناء رونقة وجماله.
والذي يجعلنا منذ عهود طويلة نباهي بالشعر الاصيل انا نردد يوميا ابياتا منه، اما للتغني به، أو تدعونا الحاجة اليها، ولتثبيت هذا الادعاء ان جل المثقفين يحفظون في صدورهم عيون الشعر البديع لا الذاكرة تعي بكل سهولة القصيد المنظوم في نطاق الاوزان التقليدية المعهودة، بينما لم نسمع قط احدا ينشد شعرا مرسلا للاغراض نفسها، والسر واضح كل الوضوح، ذلك ان العنصر الموسيقي مفقود من اساسه، والابيات متفككة الحلقات، متنافرة المعاني، والربط بين الصدر والعجز يكاد يكون منعدما كل الانعدام.
ولعلي بعد هذا اكون قد قطعت الطريق على الرمزيين ومحترفي الرمزية لانهم يهيمون في العبث الذي لا طائل من ورائه، ويعيشون في قلق مع استخراج المفردات وتلفيفها في كلام محفوف بالالغاز، ولهذا كانوا اكثر انتاجا وانشط حركة، ومصدر هذا النشاط انهم لا يتعبون في توفير المعنى بقدر ما يتلفون الوقت في تصنيف المفردات لملء السطور والصفحات.
والمغرب اليوم وهو في طور بناء نهضته الفكرية مفتقر إلى تعميم المدرسة الواقعية بين الكتاب والشعراء، والدولة مطالبة لتدعيم هذه المدرسة بخلق جوائز جديرة بالاحترام، وفتح باب المنح لتعزيز جانب رواد هذه المدرسة المثالية.
ولعل سياسة الدولة في هذا المضمار كفيلة بتنشيط المواهب، وافساح المجال امام العباقرة الذين تعوزهم المادة لصنع المعجزات، والتحليق في الاجواء.
واخيرا ارى نفسي مشفقا على جميع الموهوبين الباحثين عن العبث، فادعوهم وانصحهم ان يلزموا الجد في كتاباتهم واشعارهم، لاننا نرغب ان نعيش قريبين منهم، ملمين بنشاطهم، والطريقة المثلى لتقريب المسافات بيننا هي الرجوع إلى المالوف في الكتابة والشعر.