ويستغرب محمد عبده من أولئك الذين يبعثون بفلدات أكبادهم إلى تلك المدارس زاعمين أنهم يرغبون في العلم "وكل هذه المكاتب دينية أنشئت لغرضين: تحويل العقائد إلى المسيحية، وإمالة المشارب إلى الدولة المنسوبة إليها، فكان من آثار ذلك أن المتعلمين فيها إما أن يخرجوا مسيحيين في الاعتقاد مسلمين بالاسم أو دهريين لا عقيدة لهم، ولو دعيت إلى توضيح ما في تلك المدارس من الطرق لإفساد قلوب المسلمين لأوضحتها كما هي عندهم".
فالتعليم في المدارس الأجنبية خاضع لأهداف استعمارية تبشيرية محض، ولا يقصد به ترقية الأمة ومساعدتها، وإنما يتخذ وسيلة لغايات محددة: وفي ذلك يقول هنري جب: إن التعليم في مدارس الإرساليات المسيحية إنما هو واسطة إلى غاية فقط، والغاية هي محاولة التنصير، وإن لم يمكن فزعزعة العقائد الإسلامية ثم تكوين قيادة فكرية تؤمن بمذاهب الاستعمار، وتزكي أعماله الإجرامية وتساعده على تنفيذ خططه ومؤامراته كما رأينا في مأساة فلسطين وفي تقسيم البلاد العربية. فمبدأ تلك المدارس كما جاء في منشور للجامعة الأمريكية في مادته الرابعة هو: وإن كل طالب يدخل إلى مؤسستنا يجب أن يعرف مسبقا ماذا يطلب منه، وقد أولت تلك المدارس عناية كبرى للفتيات المسلمات ويقول جب: إن مدرسة البنات في بيروت هي بؤبؤ عيني، لقد شعرت دائما أن مستقبل سورية إنما هو بتعليم بناتها ونسائها.
وهكذا يتبين لنا أن إصلاح التربية والتعليم في نظر محمد عبده يجب أن يوضع على أسس بعيدة عن التأثيرات الأجنبية كما يجب القضاء على كل مؤامرة ثقافية على البلاد الإسلامية، لأن الاستعمار الثقافي أشد وأقوى مفعولا من الاستعمار العسكري، ولذلك رأينا الجمهورية العربية المتحدة تؤمم تلك المدارس، وقد كانت تبلغ المدارس الفرنسية في مصر فقط حوالي ستمائة مدرسة، وإننا لننتظر من باقي الحكومات العربية أن تحذو حذوها وأن تحمي الشعب وعقائده من سرطان المدارس الأجنبية التي استفحل أمرها في بعض البلاد العربية وأصبحت تكون خطرا داهما .. وإن مساعدة تلك المدارس أو السكوت عنها يعتبران خرقا صريحا للميثاق الذي أبرم بين الشعوب الإسلامية وحكامها، ذلك الميثاق الذي هو في صميمه: المحافظة على عقائد الشعب المسلم، وعلى تقاليده الصالحة، واتجاهاته الإسلامية العربية، وتأمينها من خطر الصليبيين الذين يضمرون العداء الخبيث للمسلمين ولدين المسلمين ورسولهم ..