تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلتعلم أنني ما تحدثت في حياتي إلى رجل قط غير والدي، وغير قس الاعتراف، وقد تحدثت إلى القليلين مرات كثيرة على نحو يجعلني أميزهم من أصوات حديثهم، فلم يكن جواب «رودولفو» على تلك الحقائق الجلية التي ألقت بها «ليوكاديا» التعسة شيئا آخر غير أن احتضنها مبرهنا على أنه يريد العودة ليؤكد شغفه بها وبأنها غير شريفة، رأت "ليوكاديا" ذلك فدافعت عن نفسها بقوى أكثر مما تسمح بها سنها الفتية .. برجليها وبيديها وبأسنانها ثم بلسانها قائلة: لتعلم أيها الخائن، أيها الرجل الفاقد الإحساس كائنا من كنت، أن ما سألتني إياه هو ما استطعت أن تناله من جذع أو من سارية لا تحس، والانتصار والفوز في مثل هذا يجب أن يكون في مقابل تجردك من شرفك وضعة قدرك، وكلن ما تحاوله الآن لن يكون إلا بموتى، لقد نلت مني وحطمتني اذ كنت مغمى علي، أما الآن فلدي قوة أكثر، تستطيع أن تقتلني قبل أن تنتصر علي، ولعل نزعتك الشريرة قد أقنعتك بأنك لن تلقى مني مقاومة وأنا مستيقظة، ولعله قد خيل إليك أن إغمائي كان مصطنعا عندما جرؤت على أن تفعل ما فعلت، وأخيرا قاومت «ليوكاديا» بشجاعة وعناد فانهارت قوى «رودولفو» ورغائبه وبقي جامدا منهك القوى، ومن غير أن ينبس ببنت شفة ترك "ليوكاديا" في فراشها وفي داره وأغلق عليها جناحه الخاص، وذهب ليبحث عن زملاءه للتشاور معهم فيما يجب علمه، وقد أحسست «ليوكاديا» بأنها وحدها حبيسة فنهضت من الفراش وجعلت تطوف المكان متحسسة الجدران بيديها لترى باب تذهب منه أو نافذة تلقى بنفسها منها،، فوجدت باب ولكنه كان محكم الإغلاق، وعثرت على نافذة استطاعت أن تفتحها حيث تسلل ضوء القمر ساطعا فاستطاعت أن تميز ألوان السجف التي تزين الجناح، ورأت أن الفراش مذهب معد بترف، وهو أشبه أن يكون فراش أمير من أن يكون فراشا لدى وجيه عادي، وأحصت المقاعد والمكاتب ولاحظت الجزء الذي يقع فيه الباب من الحجرة، ومع أنها رأت بعض اللوحات معلقة على الجدران إلا أنها لم تستطع أن تتبين ماعليها من رسم، كانت النافذة كبيرة مزينة ومحاطة من الخارج بسياج حديدي قوي، والنظرة منها تقع على حديقة محاطة بجدران عالية، فكان من الصعوبة بمكان التفكير في إلقاء نفسها من النافذة لتصل بعد ذلك الى الطريق، كل ما رأته ولاحظته في ذلك الجناح يدل على أن صاحبه شخص رئيسي بارز، ولقد رأت فوق مكتب كان بجوار النافذة تمثالا فضيا صغيرا للمسيح فأخذته وأخفته في كمها، ولم يكن ذلك بقصد السرقة، أو كان ذلك منها غيرة دينية، وإنما كانت مدفوعة بفكرة عاقلة فعلت ذلك ثم أغلقت النافذة كما كانت من قبل، ورجعت إلى الفراش تنتظر النهاية التي ستختم بها فاجعتها، ولم يكن قد مضى نصف ساعة في تقديرها عندما أحست بأن الجناح يفتح ويصل عندها شخص، ومن غير أن يفوه بكلمة غطى عينها بمنديل، وأخذها من يدها وقادها إلى خارج الدار، وقد أحسن بأنه رجع ليغلق الباب، كان ذلك الشخص هو «رودولفو» ومع أنه كان قد خرج للبحث عن زملائه، إلا أنه لم يرد أن يتحدث معهم، إذ بدا له أنه ليس من المستحسن أن يجعل منهم شهودا على ما وقع له مع الفتاة، بالرغم من أنه كان قرر سلفا أن ينبئهم بما ارتكب بيد أن دموعها حركته فترك هذه الفكرة في منتصف الطريق، وإزاء هذا عاد مسرعا لكي يضع «ليوكاديا» إلى جانب الكنيسة الكبيرة كما طلبت هي إليه ذلك من قبل، وقبل أن يطلع النهار فيتعذر معه إخراجها، ويضطر إلى إبقائها في جناحه حتى الليلة المقبلة، وهو لا يريد أن يتيح الفرصة لكي يعرف، من أجل ذلك حملها إلى ذلك الميدان المعروف باسم «ميدان المجلس البلدي» وهنالك في صوت متغير، وفي لغة هي خليط من الاسبانية والبرتغالية قال لها: بالتأكيد تستطيعين أن تذهبي إلى دارك لأنه سوف لا يلاحقك أحد، وقبل أن تتمكن من إزالة المنديل المربوط على عينيها كان هو قد وصل على مكان حيث لا يمكن أن يرى، فبقيت «ليوكاديا» وحدها وأزالت رباط عينيها، وتعرفت على المكان الذي تركت فيه، ونظرت في كل اتجاه فلم تر أحدا، لكنها تصورت أنها ملاحقة من بعيد فسارت نحو منزلها الذي لم يكن بعيدا، وكانت تتوقف في سيرها، ولكي تضلل من عساه أن يكون قد تابعها، رأت دارا مفتوحة فدخلتها، وبعد قليل ذهبت إلى دارها.

-3 -

لقيها أبواها ذاهلين لم يخلعا عنهما بعد ملابسهما، أو يفكر في أخذ قسط من الراحة، وعندما رأياها أسرعا نحوها بأذرع مفتوحة فاحتضناها ودموعها تجري، طلبت إليهما «ليوكاديا» في صوت أشبه بالتصايح، والخوف يملأها أن تخلو بهما ففعلا، وهنالك أفضت إليهما بحادثها المفجع وبكل ملابساته،

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٤٤٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٤٤٧