تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على رد التحدي والسعي في مسابقة إسرائيل والمزودين لها في مضمار النشاط الذري ومشتقاته الحربية والإستراتيجية.

وليس من الحكمة بالطبع الاعتماد - في هذا المجال - على مجرد التأكيدات اللفظية التي رددها المسؤولون العرب والموحية بإمكانية امتلاك العربية المتحدة - في المستقبل- لسلاح نووي رادع له أهميته وجدواه، ليس من المعقول - ولا شك - تقييم الموقف على حقيقته بالاستناد البسيط إلى مثل هذه التصريحات، غير أن الأحداث التاريخية التي سجلها شعب الجمهورية في الشمال والجنوب، والمواقف الايجابية التي تبناها هذا الشعب في مجال صراعه المتواصل من أجل الحياة والنمو والتطور، والمآثر التي خلفها في سجل الكفاح الإنساني ضد عوامل التقهقر والتراجع والتخاذل، كل ذلك من شأنه أن يبيح الشعور ببعض التفاؤل، ويجيز الاعتقاد بأن الشعب العربي في الإقليمين المتحدين سيعرف - بالتعاون مع أشقائه العرب- كيف يجعل من التسابق الذري قضية رابحة مثمرة، كما فعل من قبل في قضايا التأميم والتصنيع والتجهيز والتطهير وغير هذا من مواطن الفوز التي سجلها في الفترات الأخيرة من يقظته وانبعاثه.

والذي لا يتطرق إليه الشك أن ما يصل بين الإقليمين من عوامل الوحدة المتينة وما يربط بينهما من أسباب التكافل والتعاون هو خير ضمان لتوفير ظروف وعناصر النجاح في هذا المجال.

لقد كانت نقطة الانطلاق الكبرى في الحركات التوحيدية العربية الاستجابة لمنطق الواقع من ضرورة التقارب والالتحام بين المجتمعات الموحدة فكرا وتاريخا ومزاجا ولغة وأماني وآلاما، وقد كانت كل هذه العوامل بالطبع في أساس القاعدة التي أنبنى عليها كيان الجمهورية العربية المتحدة، لكنها لم تكن - في الواقع- كل شيء، فقد كانت الوحدة المصرية السورية - إلى كل ذلك- موقفا ايجابيا عربيا أمام التحديات الكثيرة التي تشكلها حقائق الحياة المعاصرة بما فيها من صور تطورية وحضارية سريعة، وليس من المعقول بالطبع أن نجرأ على التأكيد بأن الفترة الزمانية القصيرة التي تمتد من سنة 1958 إلى 1961 كانت كافية لإثبات كل هذه الفاعلية الخارقة لوجود الجمهورية العربية المتحدة، ولكنه قد يكون في ميسورنا - مع ذلك- أن نؤكد بأن السنوات الثلاث المنقضية كانت خطوة كبرى في هذا المقام، ومجرد استعراض بسيط لنتائج الوحدة في الإقليمين قد تجزيء في الدلالة على ذلك: فقد ساعدت الأحوال الناشئة عن قيام الوحدة على تهيئ المجال للشخصية القومية العربية لكي تصبح - في المحيط الدولي- أكثر جلاء ووضوحا وأعمق جذرية وأصالة، وقد أضحى بناء الجمهورية الفتية أعظم قدرة على مواجهة التطورات العالمية المعاصرة وأكثر استعدادا لمجابهتها بروح الواقعية والإبداع والتنظيم، فقد تيسر للإقليم السوري في كل الجمهورية العربية المتحدة- مثلا - أن ينال حظا من الاستقرار العام بعيدا عن الزعازع السياسية العسكرية التي كانت تدمغ وجه الحياة في ربوعه منذ بضع سنوات، هذا بالإضافة إلى الخطوات التنظيمية والإصلاحية المتلاحقة التي شهدها الإقليم والتي تتناول الحياة العامة فيه بالتهذيب والتشذيب، وقد كان من ذلك الخطوة الإصلاحية الكبرى التي شهدها الإقليم في أوائل خريف سنة 1958 والتي تتمثل في قانون الإصلاح الزراعي والمقتضيات القانونية الناشئة عنه، تلك المقتضيات التي تستهدف إعادة بعض التوازن الممكن في حياة المزارعين وتعديل النظام الاجتماعي والاقتصادي الذي كان من أكبر العوائق في تحقيق هذا التوازن وتكريس مدلوله.

ومن أحدث الخطوات التنظيمية التي عرفها الإقليم أيضا: مجموعة التدابير المالية التي اتخذت في أوائل هذه السنة والرامية إلى حماية النقد السوري من أخطار المضاربات في الأسواق الخارجية وتحديد نطاق التهريب العالي الضخم الناشئ عن اتساع حركات المضاربين، والذي كان من نتائجه الحتمية انخفاض سعر النقد السوري في كثير من الأحيان بصورة مفتعلة وغير عادلة (1).

(1) استوعب مشروع الإصلاح المالي بادرة ضخمة ومسرحية تم بموجبها تأميم وتعريب 19 مصرفا أجنبيا تبلغ استغلالات الواحد منها 100مليون ليرة سورية.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٤٣٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٤٣٤