دعوة الحق، س.4، ع8 /ماي 1961 .................... ص 51
على هامش الكفاح الجزائري: من أدبائنا
للأستاذ: أحمد مراد
إن الذي يريد أن يدرس الحقبة الأخيرة من حياة الجزائر، خلال ثلث قرن على الأقل، سيلاحظ - ولا شك -مدى التطور العميق الذي حظي به هذا القطر، في مجال الثقافة والأدب، أثناء هذه الفترة، بالإضافة إلى يقظته وتقدمه في المجالات القومية الأخرى. وقد يدرك الدارس حينئذ أهمية الدور الخطير الذي لعبه الأدب الجزائري الحديث، في بناء نهضة الجزائر الفتية، على اختلاف جوانبها وتعدد أهدافها.
لقد انبتت تربة الجزائر الخصبة في هذه الحقبة، عددا لا بأس به من الشعراء والكتاب الذين حملوا مشعل الثقافة العربية، ورفعوا منار العمل والأدب، وعملوا على صيانة تراث العروبة والإسلام في هذا القطر وساهموا بأوفر حظ في إحياء اللغة القومية وبعثها إلى الحياة من جديد، بعد ان تضافرت عوامل شتى على أضعافها وزحزحتها عن مركزها الطبيعي في حياة الأمة، وتركها - قرابة قرن من الزمن - تعيش في وضع ممتهن، لاحظ لها من الاعتبار، كلغة عريقة طالما أدت للحضارة الإنسانية خدمات جليلة. بل قد اعتبرت كلغة اجنبية في عقر دارها، وبين دوي قرباها وأرحامها، قصد الحيلولة بينهم وبينها، وأضعاف شأنها في نظر أبنائها.
ولكن بالرغم من الدعاية الاستعمارية الافكة، التي دأبت دوما في الماضي على أن يظهر المواطن الجزائري في مظهر الإنسان الذي تخلى بمحض إرادته واختياره عن لغته، وتنكر طوعا لقوميته وميراث أسلافه فإن ازدهار الأدب العربي في الجزائر حديثا، والمستوى الرفيع الذي رقي إليه في مختلف ضروبه، وشتى أغراضه ومراميه، لما يفند تلك الدعاية المغرضة ... ويكشف عن زيفها ...
إن ارض الجزائر فقد زخرت بنخبة كبيرة من أدباء العربية الموهوبين، الذين امتازت أساليبهم بالجودة والدقة والمتانة، وعمق الفكرة، وقد اهتم معظمهم بطرق الموضوعات الحيوية، التي تنبع من صميم حياة أبناء الشعب، وتتجاوب مع ما يفكر فيه ويشعر به أفراد الأمة، ويمتزج بأحاسيسهم، ويعبر عما يكمن في أعماقهم من الأماني والآمال، أو عما يعانونه من الآلام، التي يشغل بالهم التفكير في وسائل التخلص منها، حتى ولو أدى بهم ذلك إلى ركوب الأهوال والأخطار، بغية أن يدرك وطنهم حياة العزة والكرامة ..
وان أدباءنا - بهذا الوصف - ليعدون بحق - في طليعة أدباء العالم العربي المعاصر، الذين سايروا مواكب اليقظة والتحرر، في مختلف أنحاء المعمور، ولم يتوانوا قط عن خوض المعركة، التي تحقق لوطنهم السيادة والحرية، باذلين من أجل ذلك دمائهم.
وإذا كان من هؤلاء الأدباء وذوي الفكر، من استأثرت بهم المنية في الأعوام القريبة، ومنهم من حظي بالاستشهاد، في معركة الجهاد، التي تدور رحاها - منذ سنين - في البلاد، والذين أذكر منهم: الأديب احمد رضا حوحو، الذي أنجز عدة مؤلفات أدبية واجتماعية قيمة، قبل أن يستشهد، وهو في العقد الخامس من عمره، والشهيدين الشاعرين: عبد الكريم العكون والربيع بوشامة، اللذين ظلا يصدحان على الأفنان كبلبلين غريدين، يشحذان العزائم، ويستحثان الهمم، نحو تدعيم النضال التحريري في وطنهما، الى أن قضيا نحبهما على يد السفاحين، وكأنهما كانا يتمثلان بقول ثانيهما رحمهما الله:
«لا شيء أغلى من التحرير يكسبه
مجاهد بعد الآم وأخطار»
«فك البلاد وفادى مجد أمته
من عيشة الذل بين السيف والنار»