ينصرف عنه، ويصرف معه جيوشهن تاركا له التعرف كيف يشاء ودون أن يحدد من نفوذه أي شيء، وفي نفس الوقت استطاع أن يغير اتجاه عقبة السياسي والحربي، فبعد أن كان صمم العزم على أن يعبر البحر ليفتح بلاد الأندلس، رأيناه يسلك طريقا آخر غير الذي أراد، وبعبارة اصح رأيناه ينفذ الخطة التي رسمها له يليان، لا الخطة التي رسمها هو بنفسه، أو أراد أن يرسمها، وتذوب شخصية عقبة في عبقرية يليان، ونبوغه السياسي، ويتجلى ذلك واضحا في الحوار الذي دار بين الرجلين، وهذه صورته كما ترويها كتب التاريخ (7):
عقبة: كيف بحر الأندلس؟
يليان: أنه محفوظ لا يرام
عقبة: لابد أن نعبر البحر إلى الأندلس
يليان: وكيف تترك البربر خلفك، وترمي بنفسك في بحبوحة الهلاك؟
عقبة: دلني على رجال البربر والروم
يليان: تركت الروم خلفك، وليس أمامك الا البربر وفرسانهم.
عقبة: وأين موضع البربر؟
يليان: هم بالسوس الأدنى، وهم أصحاب نجدة وباس
عقبة: ما دينهم؟
يليان: ليس لهم دين، يأكلون الميتة، ويشربون الدم من أنعامهم، وهم أمثال البهائم يكفرون بالله ولا يعرفونه
عقبة: أكثير هم أم قليل؟
يليان: هم كثير لا يعلم عددهم إلا الله.
وكان يجب أن نقف طويلا عند هذا الحوار، ولكن رأينا أن نقتصر منه على نقطة مهمة وهي: أن يليان ربما دل بعمله هذا على أنه قوطي، لا بربري، فلو كان بربريا، حقا، لما ألحق الشر بالبربر، وأبعده عن القوط في اسبانيان ولما وصف البربر بهذا الوصف السيئ؟ وهذا النظر يبدو وجيها في أول وهلة، ولكن إذا عرفنا- مقدما- أن يليان كان تحت النفوذ السياسي للقوط، مهما كان نوع هذا النفوذ، ومهما كان من الضعف، وعرفنا أنه- بحكم الجوار كانت تربطه بالقوط روابط الصداقة العريقة، فضلا عن رابطة الدين والمصالح المشتركة- أدركنا- ولاشك- أن يليان لم يدافع- في الحقيقة - عن القوط، وإنما دافع عن مصالحه الخاصة، أو عن مصالح كانت تجمعه وإياهم، وفوق ذلك فقد كانت الروح الدينية متغلغلة في نفس يليان، فبها كان يتكلم، وبها كان يدافع- كما نلمس ذلك جليا في أجوبته عن أسئلة عقبة - ويجوز أن يكون يليان أراد أن يبعد عنه العرب إلى جهات نائية، ويرمي بهم في القفار ومتاهات الجبال، ليكون في مأمن من شرهم، بعيدا عن الخطر، لا يهدد نفوذه أي شيء، عكس ما لو نزل العرب إلى جانبه بأرض الأندلس واحتلوا الجزيرة الخضراء وما اليها - كما كان يريد عقبة - وليس بينه وبين هذه الجزر إلا بضعة أميال في البحر؟ واعىلا بم نفسر قوله: انه (البحر) محفوظ لا يرام؟ ونحن نعلم - سلفا - أن دولة القوط لهذا العهد، كانت اضعف ما تكون برا، وبحرا. وأيا كان فإن مجرد موالاة يليان للقوط، ودفاعه عنهم بالكلام، لا يجعله قوطيا، وليس ذلك بكاف في أن نجرده من الجنسية المغربية التي اعترف له بها مؤرخو المغرب، وعلى رأسهم ابن خلدون عالم آثاره، وجهينة أخباره (8)، أما وصفه للبربر فإنما كان سيئا من حيث عقيدتهم وما كانوا عليه من مجوسية ووثنية، وهو وصف لهم بالواقع، لا من حيث شخصيتهم كبربر، وإلا فقد وصفهم بأنهم فرسان أصحاب باس ونجدة، وأكرم بها من أوصاف.
على أن البربر لم يكونوا من الأخوة والاتحاد، بحيث يحمي بعضهم بعضا، ويدافع عن أخيه كمواطن، وفي دائرة أوسع، بل كانوا قبائل متفرقين، ليس لهم وحدة ولا تجمعهم رابطة، وكان الحكم السائد للقبيلة، فكل قبيلة لها رئيس أو أمير حسب توسعه الحربي، ونفوذه القبلي، وكانت العصبية القبلية تعمل عملها فيهم، فهذه القبيلة تغير على تلك، وهذا أمير بلد يحارب أمير بلد آخر، وهم جميعا أبناء وطن واحد، وأمة
(7) انظر نهاية الأدب للنويري، والجمان- للشطبي، ويكاد يكون الحوار ملفقا من روايتهما.
(8) ومن بين هؤلاء المرخين: الناصري في الاستقصاء، والشطيبي في الجمان، والقاضي عياض في المدارك وأبو رأس في كتابه الفنس ومطران في الأندلس ووهران ...