تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يرى الغزالي أن الأنبياء أطباء لأمراض العقول، وليس للعقل من فائدة سوى تعريفنا بهذا الأمر، وغن يشهد للنبوة بالتصديق، ويعترف بعجزه عن إدراك ما يدرك بعين النبوة ... هنا تنتهي حدود العقل البشري، ... وذلك ما عرفه أبو حامد بالضرورة.

وقد شاهد فتورا في الاعتقاد بأصل النبوة، وفي حقيقتها، وفي العمل بمقتضى تعليماتها، وتحقق من شيوع ذلك بين الناس، ولاحظ أن ذلك الفتور يرجع على أربعة أسباب:

1 - أحدها من الخاضعين في الفلسفة.

ب-والثاني من الخائضين في طريق التصوف.

ج- والثالث من المنتسبين إلى دعوة التعليم.

د- والأخير من تصرفات الموسومين بالعلم بين الناس. فهناك من يتعلل- إذا سئل عن سبب فتور اعتقاده- بفساد أخلاق من يدعون العلم، وأكلهم أموال الناس بالباطل وشربهم الخمر، وهناك المتصوف الذي يرى أنه أرقى من أن يحتاج على العبادة وهناك من يقول أن الفرق مختلفة فلا ثقة بأي رأي، وثمة من قرأ الفلسفة فتوصل إلى أن يقول أن حقيقة النبوة راجعة في نهاية لأمر إلى الحكمة، والمصلحة، وان القصد من التعبد ضبط العوام عن التقاتل والتنازع، وانه -هو- ليس من العوام، حتى يدخل في حجر التكليف

ويقول الغزالي أن ذلك منتهى ما تعطيه الفلسفة الإلهية من الإيمان، وهؤلاء هم متجملون بالإسلام .. فلما رأى كل ذلك، ولاحظ أن (انفضاح هؤلاء أيسر عنده من شربة ماء لكثرة خوضه في علومهم وطرقهم) قال في نفسه ماذا تغنين الخلوة والعزة وقد أشرف الناس على الهلاك .. ثم راجع نفسه متسائلا) متى تشتغل أنت بكشف هذه الغمة، والزمان زمان الفترة والدور دور الباطل، ولو اشتغلت بدعوة إلى الحق لعاداك أهل الزمان بجمعهم، وأني تقومهم فكيف تعايشهم ولا يتم إلا بزمان مساعد وسلطان متدين قاهر).

وما يكاد الغزالي يستقر على البقاء، دون الصدام حتى قدر الله فتحرك داعية سلطان الوقت دون تنبيه له من الخارج، فألزم الغزالي بالنهوض إلى نيسابور لتدارك الأمر، وقد بلغ هذا الالتزام الملكي حدا خطيرا بطلت بت كل الأسباب التي كانت تدعو الغزالي إلى القعود، ويستشهد أبو حامد هنا بالآية الكريمة (ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا واذو حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله، ولقد جاءك من نبأ المرسلين) ... ثم شاور الغزالي بعض أرباب المشاهدات فاتفقوا على وجوب ترك العزلة، هذا إلى منامات رآها بعض الصالحين تحبذ هذه الحركة التي (قدرها الله المولى جل وعلا على رأس هذه المائة).

ويقول الغزالي (وأنا أعلم أني وإن رجعت على نشر العلم فما رجعت، فإن الرجوع عود إلى ما كان، وكنت في ذلك الزمان أنشر العلم الذي يكسب الجاه، وأوعد إليه بقولي وعملي، وكان ذلك قصدي ونيتي وأما الآن فأدعو إلى العلم الذي بت يترك الجاه ويعرف بت سقوط رتبة الجاه).

هكذا يعرض أبو حامد قصة تطوراته الفكرية والنفسية، وهو يتطرق بعد كل ذلك على سلسلة من المواعظ والإرشادات، التي تبدو صادرة بكل وضوح عن شيخ تقي ورع يقوم بمهمة الإرشاد وتقوية الإيمان في النفوس ..

فهل ترانا نستطيع الاطمئنان إلى هذا العرض ونقبله دون مناقشة .. ؟

(يتبع)

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٤١٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٤١٣