دعوة الحق، س.1، ع9 /مارس 1958 ............ ص10
بين الجمود والجمود
للأستاذ الكبير: السيد المختار السوسي
-5 -
في ضيافة سعيد:
وصلت على رأس الرابعة إلى المكان الموعود أن نلتقي فيهن ثم بقيت انتظر حتى مر نصف ساعة ولما يأت الرجل، فنويت أن أنتظر أكثر، لان أمثال سعيد - وما أكثر أمثاله من الأهالي - لا يضبطون مواعدهم، فالساعة أن زادت أو نقصت يسهل أمرها عندهم، وما أقبحها خلة، ولو كان معي حماد لوجد أيضا مثلا جديدا لانحطاط الأمة، ومصبا آخر يصب فيه ما شاء من لعناته.
وأخيرا عند الخامسة إلا ربع، جاء الرجل، وسلم ثم ذهبنا لطيتنا من غير أن يعتذر لتأخره عن الوقت، كأنه ما فعل إلا المعتاد المألوف، وقبل أن نركب سيارة، جاء شرطي ينظر في السيارة وفي ركابها، والغالب أنه لا يقصد شيئان وإنما يقتل الوقت، ولكن صاحبي صارت أساريره ممتقعة، وأطرق برأسه، كأنه مصدوع، ولم يكد الشرطي ينقلب على عقبيه، حتى رفع رأسه، وأحسست بصرة يخبئها تحت جيبه، فلم أشك أنه (الأفيون)، اشتراه من فاس، وما كان امتقاع لونه أمام الشرطي إلا خوف أن يفتش الناس، فيساق على السجن بسبب ما في الصرة.
انطلق لسانه بسرعة بعد ما أمن من الشرطي، كما يحصل من كل من ليس برابط الجأش، متى زال عنه ما كان يتوجس منه خوفا. فقال:
-زرت الآن مولاي إدريس ودفعت في صندوقه زيارة ليحفظني الله حتى أصل إلى داري، فبدا لي منذ الآن أن الحاجة مقضية.
ولم يخف على ما ينويه ولا ما يرمي إليه، فتغافلت عنه، ثم قلت له:
-إن مولاي إدريس رضي الله عنه رجل عظيم حقا، وقد كان يجب لمعتقديه أن يقتدوا في تقواه وفي نصرته للدين، لا أن يتخذوه مفزعا كما يفزعون إلى الله.
فلم يكد سعيد يسمع كلامي، حتى أدرك ما ارمي إليه، فقال:
-إنني ما فزعت إليه بل فزعت إلى ربه الذي خلقتني وخلقه بعد ما ترحمت عليه وجعلت ما وضعته في صندوقه صدقة يصله أجرها، وهذه نيتي، وأنا والحمد لله من أهل السنة الذين يحبون الصالحين ويترحمون عليهم ويودونهم للتقوى التي كانوا عليها في حياتهم، وإنما طلبت الله هناك ليقضي حاجتي لما يذكر من أن ملكا يقف عند قبور الصالحين يقضي حوائج الناس بإذن الله، أو ليس هذا الاعتقاد الذي سمعته مني هو اعتقاد العلماء المحدثين؟
فلم أزد على أن تبسمت له علما مني بأن الرجل لا مبدأ له يتقلب مع هواه كل حين، فإنه لو لاقى غيري لثبت على ما قاله أولا، ولما احتاج إلى التأويل، وربما زاد على ذلك ما عند الجمهور الذين يقفون على رأس مولاي إدريس فيتوجهون إليه بالله أن يقضي حاجتهم بجعل يقدمونه إليه أو يعدونه بهن وكل من كان في مثل مسلاخ سعيد قلما يجيد فيه وعظ، وغلا بهداية من الله، وكذلك أردت أن أترك المجمجة بيني وبينه، فصارحته بأنه بلغني كل ما يتعاطاه من المخدرات والمعجونات، فأطرق مستحييا، فقلت له:
-أتهدم صحتك هكذا، وتقضي على حياتك بهذه الأخلاق التي لا تلاءم من كان في مثل تلك الأسرة؟ ولم ينشب أن تباكى إلي، وقال:
-دلني على ما أصنع لأنسى كل هذا. فقلت له:
-استعن بالصبر والصلاة وبمعاشرة الصادقين، فقد قال تعالى: (أيها الذين ءامنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين). فالكون مع الصادقين مما يستقر به