تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الإحساس الفني، فإذا كان العقل- كما قال ديكارت- أعدل الأشياء قسمة بين الناس فالمعرفة واحدة والحقيقة واحدة سواء ارتدت حلة فلسفية أو حلة علمية أم حلة فنية، فالفكر الواحد لدى الإنسان شبيه بالبذرة تحمل في قلبها شجرة ذات أغصان وأوراق وثمار.

التاريخ هو مغامرة الفكر الإنساني تبتدئ في مجالات الفلسفة والعلم والفن وتهدف إلى هدف واحد معين هو توكيد الإنسان بالدرجة الأولى خارج اعتبار جنسي أو عرقي أو حضاري، ومهما قيل عن وجود فوارق موضوعية بين العلم والفن والفلسفة فهذه الفاعليات الثلاث تنبجس من لحظة واحدة هي لحظة الفكر الحقيقي، كألوان قوس قزح وتتشعب ولكنها كلها تنبع من نفس المصدر وتهبر عن ذات الضوء فكل ما هو إنساني- علما كان أو فلسفة أو فنا- جدير بمعرفتنا لان الحقيقة تحمل ذاتها في ذاتها والتاريخ عرض للحقيقة .. حقيقة الفكر ينقلها من الوجود المضمر إلى الوجود الصريح وعمل التطور التاريخي هو إفساح المجال للفكر الموجود بالقوة منذ البدء أن يتحقق ويتكامل بالوجود بالفعل.

الإنسان- كذات مفكرة- لم يعد يرضى أن يكون ذرة صغيرة قذف بها في تيه الوجود وعتمة المجهول، فيتلاشى شرطه الإنساني في زحمة المواقف والأفعال والأشياء، بل أصبح قادرا على الرفض بإصرار أن تذوب هويته في هوية الأشياء ملحا أبدا على الخروج من قوقعة وجوده الخاص والتطلع إلى التزام واع بالأمانة الكبرى .. أمانة المحاولة والإرادة والمسؤولية .. أمانة المعرفة الهادفة والتفكير الصحيح التي عرضت على السماوات والأرض والجبال (فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان) بحرية اختيار فكان ظلوما لنفسه التي أرهقها بالتزام معرفة الوجود على الوجه الذي أراده الأمر الإلهي والتفكير في الكون الذي خلقه الله تعالى بالحق، وكان جهولا لطاقته المحدودة في مجالي الزمان والمكان، أليس هو الإنسان الذي قال عنه باريه سبحانه لملائكته (إني جاعل في الأرض خليفة) له هذه الأرض وهذا الوجود وهذه الحياة وله فوق ذلك امتياز بالفكر على كثير مما خلق الله، والذي أشار إليه الرب الإله (هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا عارفا بالخير والشر، والآن لعله يمد يده ويأخذ من شجرة الحياة أيضا ويأكل ويحيا إلى الأبد- سفر التكوين الإصحاح الثالث).

بلى .. انه الإنسان بالفكر منذ البدء- لا بدء الخلق الإلهي- ولكنه بدء المحاولة الضخمة لتفهم حقيقة الوجود وتحقيق تكامل العالم بوجود الإنسان وتدخله الفاعل الحر من أجل السيطرة على الطبيعة وامتلاك ناصيتها، فالطبيعة رغم ما تمور به من طاقات هائلة وإمكانيات مخزونة ورغم ما تنطق به آياتها من انسجام أزلي عجيب فإنها تبقى الطبيعة الغفل الصماء صمما مستديما ولا يتحقق لها أي اعتبار ألا إذا انتشلها وجود الإنسان من موقفها الصامت المنفعل، والوجود الإنساني بدوره لا يقدر على ممارسة فاعلية فكره على الوجه الأكمل إلا إذا وجد الطبيعة كعائق يقاوم نشاط الفكر وفي ذات الوقت يفسح المجال لهذا النشاط أن يتوغل في صميم الواقع ويعمل فيه، فلولا وجود عائق (الطبيعة) لما كان هناك تحدي وتغلب (الفكر) ولما تجلى العمل الإنساني في نهاية التحليل في مختلف أشكاله وضروبه الفكرية.

من هذا التركيب من القضية (الطبيعية) ونقيضها (الفكر) يستطيع الإنسان أ، يسهم في دفع الوجود الإنساني إلى توكيد ذاته وجدارته بأعمال الفكر في معطيات الواقع، ولابد لانجاز عمل من أن يجاوز الفكر حال النظر إلى حال العمل وتتحول الفكرة إلى قوة تدفع الفعل المبدع وتوق إلى التنفيذ، وبتعبير فوييي Fouillee أن الفكرة واقع العمل أنها عمل واقعي يقوم به الإنسان بالحركة والجهد، وبذا يستحق الإنسان أن يكون الإنسان الصانع Homo Faber يشارك في عملية الخلق الإلهي بوعي متفتح يتكامل مع عمل الله للتوكيد على أن هذا العالم أفضل العوالم الممكنة يستطيع الإنسان أن يتفكر فيه ويتدبره من أجل أن يحيا خليفة فيه من لدن الله.

ولا تتم هذه المشاركة إلا إذا عرف الإنسان أنه لا يعرف شيئا فيبدأ بمعرفة ذاته بوضوح ينتشلها من بيتها العنكبوتي وتمركزها الذاتي وحياتها الجامدة وينقيها من ضباب الأفكار وشبه الميتة، ثم يواجه عالم الأشياء بسؤاله الجدي المتمرد: لماذا؟ يحمل في انحناء علامة استفهام قلقه الميتافيزيقي فيبدو الإنسان برومتيوسيا متحررا من قيود الطبيعة حتى لا يسفل إلى وجود البهائم وحياة أولئك الذين (لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل، وأولئك هم الغافلون) بل يتطلع إلى الحقيقة ويهدف إلى معرفة كل شيء بارتقاء ملح إلى مرتبة تقترب فيها معرفة

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٣٣٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٣٣٤