ففساد الحكم وفساد القائمين به سرطان يسري حتى للتربية والتعليم ويفسد كل شيء، ومن يضمن لمحمد عبده وضع أو استمرار تخطيط تربوي، أن (القرون) التي لا بد منها لا تحل المشكلة ما دام الحكم فاسدا، وما أظن أن محمدا عبده كان يعارض الثورة المصرية الحديثة خصوصا وقد كانت خالية من الدماء والفتن إذا استثنينا بعض الحوادث، كان يحبذها إذن كما يحبذها كل مسلم مومن بالله حق الايمان، على كل حال كانت أفكار محمد عبده صائبة في نطاق تجربته وظروفه التي كان يعيشها وليس من الصواب في شيء، ولا من الحق، ان ندرس فكرته هذه على ضوء ظروفنا ومستوانا، فلعله كان يغير بعض رأيه في الوقت الحاضر.
وكان يعجب للطبقة «المثقفة النابهة» من المسلمين كيف ضلت سبيل الإصلاح لما حصرت كل همها في السياسة، وأهملت الطريق السليم الذي يبنى عليه كل شيء وهو أيضا كل شيء ويعني «التربية» وكان يرى أ، السيد جمال الدين الافغاني- وهو ذو اقتدار عجيب- لو استغل عبقريته وحرارة إيمانه في التربية لأنتج إنتاجا عظيما، ولإيمانه بان التربية والتعليم هما الوسيلتان الوحيدتان والمثليان لإيجاد أمة صالحة قوية كان يرى أنه لابد من مستبد عادل يقوم بهذا الدور في الفترة التي ما تزال الأمة فيها كالقاصر لا تحسن التصرف ولا تدري مالها من حقوق وما عليها من واجبات.
إذن فلم يكن في «السياسة» الطريق الذي يحقق للمسلمين غايتهم لأنها طريق سطحي يعتمد على التغيير الخارجي، وملتو ومؤذ، ولذلك استحقت السياسة ومشتقاتها اللعنة منه ومن قوله فيها: ما دخلت السياسة في شيء إلا أفسدته ... فان شئت أن تقول أن السياسة تضطهد الفكر أو الدين، فانا معك من الشاهدين.
وقد تعرض بسبب موقفه هذا إلى التهديد والتقول من طرف بعض الساسة والكتاب والعسكريين على السواء، كما انه اصطدم بأستاذه جمال الدين عندما أشار عليهم أن يسلكوا طريق التربية والتعليم وأن يتركوا طريق السياسة والثروة لأنها فشلت، وليس معنى هذا أن محمدا عبده ان الاصلاح السياسي يمكن يتم بمعزل عن الاصلاح الديني والعلمي، وإنما كان يومن بان الاصلاح السياسي يجب أن يسبقه إصلاح ديني، وأن أمر الحكومة والمحكوم ثمرة تجنيها الأمة من غرس تغرسه وتقوم على تنميته السنون الطوال، فهذا الغرس هو الذي ينبغي أن تعنى به الآن، ومن ها النص نرى أن عبده كان يومن بأن الاصلاح السياسي لا يتم بمعزل عن الاصلاح الديني، وإنما هو متصل به ناتج عنه أو يجب أن يكون كذلك ...
نعم ترك للأقدار أن تحل مشكلة علاقة الحاكم بالمحكوم ولكن ليس معنى هذا انه لم يكن يرى أن السياسة بمعزل عن الدين كما رأينا.
وقد يكون لطبيعته الهادئة اثر في أن ينحو هذا المنحى في دوره الإصلاحي كما يرى السيد رشيد رضا، ولكن الذي ماراه أن للتجارب التي عاناها وشاهدها في حياته الإصلاحية أثرا في توجيهه هذه الوجهة من الاصلاح، فان تتابع الأحداث السياسية في مصر، لم يكن من شأنه أن يمكن الأستاذ الإمام من البقاء على أرائه السياسية الأولى، ولهذا (اقلع عنها وتجاوزها بعقله إلى ما هو أدق منها من النتائج) وقد كان نفيه لبيروت فرصة يخلو فيها لنفسه يفكر في علل هذا الشرق تفكيرا هادئا ولعله ازداد إيمانا بان العدول عن السياسة واجب وأنه لابد من إصلاح على أساس من العقيدة الصافية والأخلاق الفاضلة والتعليم الشامل والطريق الذي كان محمد عبده يحاول سلوكه- لو انه كان يجمع بين الفكر والعمل- كان طريقا يمليه عليه الواقع، وهو أيضا طريق طويل شاق، لأنه يكافح الانحطاط في العقول والفساد في النفوس وذلك هو ما تتجنبه السياسة وتخطئه (وهو على صعوبته وبطء نتائجه فانه أوثق وأعمق وأبقى أثرا).
ومما تقدم نستطيع أن نقول أ، رأي محمد عبده في الاصلاح كان هو وجوب نشر التعليم المقارن بالتربية أي التعليم الذي يكون أداة طيعة في يد الضمير الإسلامي ومتى وجدت تربية أخلاقية إسلامية وعلم فان المسلمين لا شك مسترجعون قوتهم وواصلون إلى العزة والقوة والكرامة.