دعوة الحق س4، ع7 - ابريل 1961 .................... ص 18
منهاج محمد عبده في الإصلاح الإسلامي
للأستاذ: عبد السلام الهراس
-2 -
كان من الضروري أن نتناول بشيء من التفصيل منهاج الشيخ جمال الدين الافغاني حتى نتبين مدى استقلال شخصية محمد عبده بالنسبة لأستاذه الذي كان له الأثر القوي في توجيهه: (1)
أن محمدا عبده كان شخصية ذات تركيب نفسي خاص فيها اعتدال ولكنها قابلة للتطرف أحيان، فيها مرونة إلى حد ما، وتكره المغامرات العنيفة، خلاف أستاذه جمال الدين، أن عبده كان يريد الإصلاح بعد أن رأى المأساة الإسلامية المفجعة والتهتك الاجتماعي السائد، واستغلال القوي للضعيف، واستحكام المؤامرات الاستعمارية، واختلال الحياة السياسية، وانحراف السلطة عن تطبيق الشريعة وقواعد العدل، وتخلف الفكر، والروح، واليد، في حين شاهد في الجانب الأخر- جانب أوربا قوة جبارة، وإشعاعا فكريا، وتماسكا قويا، مع أن دينهم ليس من طبيعته أن يحث على ذلك غير أن الفكرة الإصلاحية لم تكن أول الأمر خطوطا مستقرة تطمئن إليها نفسه، وتتحمس لها جوارحه إلى أن اتصل بجمال الدين الذي اكتشفه من بين مريديه إذ لمح فيه الاستجابة العميقة والتجاوب المفعم بالوعي والإخلاص، والاستعداد الكامل لتحمل مسؤولية القيادة الإصلاحية مع جمال الدين وبعده، غير أن محمدا عبده لم ينشأ أن يكون نسخة مكررة من أستاذه، بل أراد أو أرادت له طبيعته الخاصة أن يكون نموذجا آخر في ميدان الإصلاح، وعلى الرغم من هذا، فقد كان لأستاذه سلطة روحية عليه نفاذة، وكان يملك التأثير فيه وحمله أتباع ما ينهجه من طرق للإصلاح، ولهذا كان يشاركه في السير في طريق السياسة وشؤون الأحزاب والمطالبة بإصلاح نظم الحكم، ومناوأة العروش وذوي السلطة من المستبدين المعارضين للإصلاح، فيظهر عبده بمظهر التأثر الساخط، فيدعو مثل أستاذه للثورة، ويسلك مسلكه في الدعوة السياسية، ولكنه يستفيق بعد حين من غفوته، ويتخلص شيئا فشيئا من تأثير أستاذه، فيراجع فكره، ويستجيب أخيرا لطبيعته الهادئة التي تملي عليه طرقا ووسائل تختلف عن تلك التي كان يسير على مقتضاها، تلك الطرق التي لا تكلفه لحاجة، ولا تستثير عليه حكومة، ولا تدفعه إلى استعمال عنف أو التحريش عليه، مخالفا بذلك أستاذه الثائر الذي يثور حتى على ملوك أجانب، وينصحهم بإشراك الشعب في الحكم، ولا يبالي بعواقب كلامه الناري.
كان محمد عبده يدرس «المشكلة» غالبا مجردة من تلك العواطف الهائجة التي تثير كوامنها الحوادث المؤلمة، والأوضاع القاتمة التي تسود العالم الإسلامي، ولطبيعته الدور الفعال في اتخاذه هذا الموقف، كما أن التجارب التي مرت به، وفشل الأسلوب السياسي، ومستوى المجتمع الذي يعيش فيه، كل ذلك ساهم أيضا في تكوين رأيه الذي استقر عليه، مخالفا بذلك أستاذه جمال الدين.
نعم أنه أول أمره ممن يرون قيام نظام ديمقراطي برلماني وذلك قبل الثورة العربية، وقد أعلن
1) نشر القسم الأول من هذا البحث في العدد الرابع من المجلة