زاهرا حافلا بما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين من الماديات والوجاهة، وهذا شيء جميل وسعي مشكور، غير أننا سوف نحرج أنفسنا لو واجهتاها بالسؤال عن مدى اغتنائنا بالتربية التوجيهية للأولاد ليسبق إلى قلوبهم الخير والإيمان ويزرع فيها بذور الاعتزاز بالنفس وحب الدين والوطنـ عن مدى اعتنائنا بتدريبهم عن أداء واجباتهم الدينية، ووضع الأساس المتين الذي يبنون عليه شخصياتهم، ثم ماهي الوسائل المتخذة إزاء حفظ تلك الفطرة البيضاء الطاهرة والإبقاء عليها حتى لا تعكرها أعاصير الزيغ والهواء.
وبعبارة أوجز إذا كان الاهتمام بمستقبل فلذات أكبادنا من الناحية المادية فهل كان لنا نفس الاهتمام بمستقبلهم الروحي، وها مهدنا للجيل الصاعد الاستعداد للإيمان بعظمة ديته وبلاده وقوميته، حتى إذا ما أوفدناه للخارج ليكرع من علوم أمة ما رجع لنا بعلم نقي صاف من التلوث بطفيليات وجراثيم قد تكدر علينا الانتفاع بما قد أمتاره لنا من بضائع المعارف، فيأخذ العلوم لأمته أخذ اللبق الحكيم، ويعتر نفسه كرئيس عائلة تنتظر من كاسبها الامتياز، أم سوف نكون قد جنينا عليه وعلى أنفسنا أن لم نعبد له طريق الوثوق بنفسه والاعتزاز بشخصيته وأمته، والقينا له- منذ نعومة أظفاره- الحبل على الغارب، إذا فمن المنتظر أن سوف يلغي إرادته، ويلقي بنفسه في أحضان ساداته وأساتذته فيشكلونه كما يشاؤون، ونكون وكأننا لم نزد على أن تبرعنا عليهم ببوق يشهرون به ما لهم وما ليس لهم من المناقب والمفاخر.
جمعتني بعض النوادي ذات ليلة ببعض شباننا المثقفين ممن يجيدون اللغتين العربية والفرنسية وكنت ألاحظ عليهم أن جل حوارهم يؤدي باللغة الفرنسية،
ولما انتهت الندوة سألت أحدهم قائلا: بما أنكم تجيدون اللغتين معا فلماذا لا تشرفون لغتكم بالتحاور بها، وأظن-من سلوككم هذا- أنكم اخترتم عليها لغة أجنبية- مع احترمنا لها كلغة من اللغات الحية - ولو في حالة عدم الاحتياج إليها، وفي وقت تقوم لغتكم العربية مقامها، بل قد رأيت غيركم كثيرا ما يسلك مسلككم، فأجابني هذا الشاب جوابا صريحا يقوله (أننا عندما نستعمل في محاوراتنا هذه اللغة الأجنبية نشعر في نفسنا بشيء من رفعة الأمر الذي لا نحس به أن نحن تحاورنا باللغة العربية).
ولو أرادنا تحليل جواب هذا الشاب لوجدناه هكذا: أننا نشك في عزتنا القومية في حين أننا نعتقد بعزة قوم آخرين.
أو ليس هذا معنى ضعف النفس، وإهدار الإرادة، وإلغاء الوجود، بل أليس هذا هو الشر أنواع الاستبعاد.
هذا ولا نعني بذم التقليد الأعمى الدعوة إلى أن يرطب المرء نفسه ويستبد برأيه من غير أن يطعمه بنتائج الأفكار الأخرى، فإنه من المعلوم بالضرورة أن المدنية البشرية وما نشاهده من التقدم المادي الهائل أن هو إلا نتيجة التكاتف الدائم، والتعاون بين الأفكار في مختلف الأجيال والإعصار، والإسلام نفسه قد ضرب لنا مثلا عمليا لوجوب التعاون الفكري بقضية ابني آدم حين قتل أحدهما الآخر فلم يهتدي كيف يواري جثمان أخيه إذ قال تعالى
فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه طيف يواري سوءة أخيه الآية، بل القرآن الكريم نفسه قد فتح باب التعاون الفكري وشجع عليه ونوه بشأنه أيما تنويه حيث قال (فبشر عبادي الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب).