تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قبل الأوان حملها وكم من مواطن فقد وعيه غما وكمدا وكم من روح فاضت حسرة ونكدا فلم يشهد المغرب بل العالم مله يوما كيوم فراقك، كانت الأصوات تتعالى كالرعود القوا صف وكانت شهقات البكاء تهدر كهدير البراكين، لقد فداك الشعب حيا وحاول أن يفديك عندما التحقت بالرفيق الأعلى ولم يسجل التاريخ إن خليفة نعي كما نعيت ولم يتحدث عن ملك أو قائد ندب كما ندبت وأنا ابنك وارث سرك والمتقرب بك إلى ربك والمتبرك بتراب نعلك صعقت أعظم صاعقة وتحيرت بين عاطفة عمر الفاروق الشديد الحازم وبين اطمئنان أبي بكر الصديق المومن الصابر وقد حدا بي الإشفاق على هذا الشعب العزيز وقد برحت به البلوى وعظم عنده بفقدك الخطب ونضب منه إمام هول الفاجعة معين الصبر أن أصيح في وجه الجميع بمثل مقالة عمر: من زعم محمدا قد مات ولكن اطمئنانا كاطمئنان أبي بكر الصديق غمر قلبي بعد أن تذكرت وصاياك الأبوية الكريمة فأنزل الله بها السكينة علي ورددت ما ردده جدك الكريم يوم فقد فلده كبده ورددت ما ردده جدك الكريم يوم فقد فلده كبده إبراهيم: العين تدمع والقلب يخشع ولا نقول إلا ما يرضي الرب وإنا على فراقك لمحزونون

إن تلك الطمأنينة التي تغمر قلب المومنين كلما حم القضاء ودعا داعي السماء هي التي ألهمت أبا بكر الصديق أن يثبت قلوب المسلمين الهالعين يوم فقد الرسول

أبتاه

وبنفس هذه الطمأنينة استعادت ذاكراتي وصاياك الكريمة التي كنت تزودني بها وفي طليعتها خطابك الذي وجهته لي والذي ضم جوامع كلمك ذلك الخطاب الذي سيبقى لي نبراسا يضيء لي السبيل، ألم تتوجه إلي في ذلك الخطاب بهذا القول الحكيم:

أعداد لتحمل المسؤولية

يا بني لقد اخترت لك من الأسماء الحسن لأربط بين حاضر البلاد وماضيها القريب والبعيد وليكون لك في جدك المولى الحسن خير أسوة وأعظم قدوة فلم تكد تظل على السادسة من عمرك حتى قدمت للمعلم ليلقنك آيات القرآن وليغرس في قلبك الطاهر الفتي حب الدين وعزة العروبة والإسلام- ولما ترعرعت يا بني واخترت بقاؤك تحت سماء المغرب ليتم تكوينك الثقافي في بيئة مغربية فبنيت لك مدرسة خارج القصر ليتربى فيك الاعتماد على النفس فحرمتك من مجاملة الخادمات وحنان المربيات حتى تزدهر شخصيتك وتصبح عصاميا بارزا قبل أن تكون أميرا ثم أحطتم برفقاء من مختلف طبقات الشعب لأني كنت أريد أن أعدك إعدادا منتزعا من بيئة شعبك فكنت أحرص أن يعاملك رفقاؤك كباقي إخوانك التلاميذ تقارعهم الحجة بالحجة فلا يخضعون لك إلا بمقدار ما تبديه من تفوق ومعرفة وهذا ما كنت أرجوه من المدرسة المولوية: انعزال عن القصر واعتماد على النفس وخوض معركة الحياة، لقد سهرت يا بني على بناء المدرسة وبرامج التعليم وكنت المفتش فيها والمراقب وكنت أفاجئكم فيها حتى بالليل فكنت تقوم وتسرع لي باسما مبتهجا كما أني كنت أراقب واجباتك فأجازيك إذا تفوت وأعاقبك إذا قصرت ولكن والحمد لله قلما كنت متأخرا

يا بني لقد كنت صارما مع الأساتذة وكنت ألح عليهم أن يعودك على الطاعة والامتثال وأن لا يتساهلوا معك وألا يحترموا فيك إلا القيم الإنسانية المجردة وما أفاء الله عليك من ذكاء وعلم وأدب وعمل وكان غرضي أن تتعلم الطاعة لتعرف في يوم من الأيام كيف تملي أوامرك لأن من تلقى الطاعة جيدا أملاها جيدا

يا بني إن والدك يومن بأن قيادة الأمم وتسيير الدول فن قائم بذاته فلا قلا يكفي فيه التعليم والتربية وحدهما بل لا بد من تكوين علمي يومي مباشرة يخرج من القلب ويدخل إلى القلب

فأعددتك مواطنا مغربيا قبل إعدادك أميرا فقد كنت أقص عليك تاريخ بلادك ومواقف أجدادك كما كنت ألقنك معنى المواطنة حتى تؤدي ولاية العهد التي أنطتها بك، وأحرص على أن تؤمن بالواجب الوطني والصالح العام، ومنت أدفعك لتتعمق في فهم المعنى قيم الشعب لتخدمه الخدمة الصادقة

إن مهمتك خطيرة فيجب أن تزداد من العلم والمعرفة، يجب أن تدرس الأفراد وتعرف الشخصيات «يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف ولأنه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذاك من عزم الأمور»

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣١٨٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣١٨٠