تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

للأجواء وتمهيد واضح للحوادث وهي كذلك لا تعتمد على الترتيب الزمني، وإنما تتناول قطاعا معينا لا يخلو من الاعتماد على الإيحاء وترك المجال فسيحا أمام القارئ. ان ما افتقده الأخ المعلق ليس ذا قيمة هناك، وإنما المقصود تجسيم التأزم النفسي والروحي اللذين يعانيهما جيل بطل القصة، وموقف هذا الجيل من الأحداث الاجتماعية المنحرفة، والأحداث الكونية الغامضة والحلول التي يراها أمام هذه وتلك وهي حلول تتأثر إلى حد بعيد بمؤثرات ثقافية وآراء ونظريات مستجدة هذا من جانب، ومن جانب آخر لنأخذ حل ممارسة الحرية في نطاقها المحدود كدواء للأحداث الاجتماعية المنحرفة نجد أنه ناشئ عن شعور الجيل بالتخلق الاجتماعي وبروزه في شتى المظاهر وطغيان الاثرة والاعتداء على حريات الغير الخاصة، يلاحظ الجيل هذا في الوقت الذي يرى في المجتمعات الراقية ممارسة الناس حرياتهم دون أن يمسوا حريات الآخرين بمكروه، وحقيقة أن الحريات العامة ضرورية وانعدامها يفقد معنى الحريات الفردية المحدودة، لكن ألا يصح التساؤل هنا، ما قيمة الحريات في مجتمع لا يقوى على حسن استغلال حرياته الخاصة؟ ومن حيث السياق الممهد في القصة ما دخل الحريات العامة هنا؟ هل أن ظروف كارثة الزيوت كانت ناشئة عن إخلال بالحريات العامة؟ أم أنها نشأت عن تجاوز بعض الأفراد حرياتهم في الاتجار إلى درجة اصطدمت فيها مع حق الإنسان أن يتجر، وما دامت تجارته في الحدود المشروعة فلا مجال للاعتراض، أما أن يتجاوز التاجر الحد في حرية الكسب بالوسائل غير المشروعة ولا الشريفة في نفس الوقت فذلك ما يعد تعديا على حرية الغير وقد بلغ من بشاعة هذا التعدي هنا أن أصبح عشرة آلاف من المواطنين مقعدين عاجزين عن الكسب والإنتاج عالة على المجتمع؟؟ وهكذا يبدو أن الحل هنا ينسجم مع مصدر مأساة الزيوت المغشوشة وهو مصدر يدل الواقع على أنه ناشئ عن مجاوزة الحدود في التمتع بالحرية الفردية وليس ناشئا عن فقدان الحرية العامة التي لا يناقش أحد في ضرورتها فكيف يتصور المعلق بناء فكرة الحريات العامة على هذا الأساس؟ ولعله إذا تمعن جيدا فسيدرك لا محالة أنها أي فكرة الحريات العامة تأتي مفتعلة مضخمة لا تنسجم بحال مع البناء المنطقي أو بالأحرى الطبعي للقضية ولعل من الضروري سوق الفقرة التالية ليدرك الأستاذ المعلق الأساس الذي بنى عليه الكاتب فكرة الحريات المحدودة «هكذا انهارت آمالي العذبة وأصبحت إنسانا بلا أمل وحينئذ آمنت بعبث الحياة وقسوتها انها مدمرة صاعقة تسحق كل من تجد في طريقها .. انها لا ترحم وليتنا جميعا ادركنا هذه الحقيقة لكي نوفر على بعضنا المآسي التي يسببها فريق منا للبعض الآخر ولكننا نعينها عليها. فهي تدمر من جهة ونحن ندمر من جهات وفي كتلا الحالتين نحن الضحايا».

أما الاستهانة بالحلول الفردية هنا فهي ناشئة عن عدم الإيمان بأنها أقرب طريق للإصلاح، لأن المجتمع يتألف من أفراد كل واحد منهم نسيج وحده في ميوله وتكوينه وإصلاح الفرد داخل الأسرة وفق احترام بعض المبادئ العامة للفضيلة يزود المجتمع بمجموعة من الأسر الصالحة التي تكون بدورها المجتمع فنحن باصلاح الفرد نصلح المجموعة فأية سعادة نحسها داخل مجتمع يقدر كل فرد مسؤوليته ويمارس حريته دون أن يتركها تطغى فتحطم حرية الباقين؟

لم يكن إذن حل ممارسة الحريات العامة في نطاقها المحدود حلا لإصلاح الحياة كما توهم السيد المعلق ولكنه قدم كحل اجتماعي مبني على أساس احترام الناس وحرياتهم في مجتمع جاهل تغلب على أفراده الأثرة وحب النفس، والنفس وحدها الشيء الذي يلاقي منه الجميع شتى المصاعب والويلات. أما الحياة نفسها وما في الحياة من أضداد ومتناقضات وأحداث كونية غامضة يجتهد الإنسان أن يغير منها شيئا، وتغييرها مستحيل مرة أخرى كما ذكر أحد شخوص القصة سيبقى الألم ما بقي الوجود مقابل اللذة والشر تجاه الخير والغي أمام الرشاد، ستبقى الزلازل والكوارث ما دامت الأرض تدور وعلى ظهرها مخلوق يدعى الإنسان، هذا هو الجانب الذي يقصد عباس أحد شخوص القصة استحالة تغييره في الحياة وإذا كان السيد المعلق لا يشاطره هذا الرأي فما أوسع تفاؤله!!

وعلى كل حال فللأستاذ المعلق خالص التحية والإعجاب لإقدامه الذي لم يشفعه بالإعلان عن اسمه للقراء وهي خطة لا داعي لها في مجال الأدب والمناقشات الأدبية ولا داعي أيضا للتلويح الذي قد يعتمد عليه آخرون يريدون أن يقولوا شيئا فيثنيهم عن الوضوح والمجابهة سبب من الأسباب.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣١١٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣١١٣