تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.4، ع4 /يناير 1961 .................... ص 33

على قبر يوسف بن تاشفين

للدكتور: عمر فروخ

في صباح الخامس من أيلول (سبتمبر) من عام 1957، وكان يوم خميس، غادرنا الدار البيضاء في سيارة السيد محمد قباج وسلكنا طريقا واسعا حسن التعبيد يمتد مائتين وخمسين كيلومترا ووجهتنا مدينة مراكش، مراكش عاصمة يوسف بن تاشفين مؤسس دولة المرابطين، ثم عاصمة دولة الموحدين من بعد والعاصمة الشتوية للأسر المغربية المتعاقبة منذ العصور الوسطى إلى العصر الحديث، وإلى أن اختار الفرنسيون مركزا أدنى إلى البحر وأقرب إلى مرامي مدافعهم وأيسر وصولا على جنودهم فاتخذوا الرباط وجعلوا منها العاصمة الوحيدة. ومع أن الرباط أقرب بمركزها الجغرافي إلى أن تكون عاصمة حديثة، فإن الفرنسيين لم يقصدوا من اختيارها ما قصد رجال الحكم الوطني من الاستمرار فيها عاصمة وحيدة للمغرب.

كان أبرز ما لفت نظري في أثناء الطريق إحدى القواعد الأمريكية، وكانت أرضا واسعة محصونة بأسلاك شائكة كما كانت تمتد على جانب الطريق العام، إلى يميننا ن كيلومترات عديدة ثم تذهب عرضا حتى تكاد تتصل بالأفق الغربي. وكان الجانب المحاذي للطريق، من تلك القاعدة، مخصوصا ببيوت سكنى عادية، يتوزع فيها وفي جنائنها أشخاص في اللباس المدني ولا يبعد أن ترى هنا وهنالك أطفالا يلعبون وراء الأسلاك الشائكة أو يتأرجحون على حبال منصوبة بالعراء أو تحت السقوف القائمة على الأعمدة. إن الغاية من الأسلاك الشائكة أن تمنع الذين تحيط بهم تلك الأسلاك من الخروج إلى العالم الطليق، أما هذه الأسلاك حول القواعد الأمريكية فالغاية منها أن تحول بين أهل الطليق وبين الساكنين فيها.

ليس بإمكاني، ولا أحسب بإمكان أحد مثلي أن ينفذ ببصره أو بعمله إلى ما في داخل تلك القاعدة العسكرية. ولكن الذي نعلمه ونبصره أن الأمريكيين متمسكون بتلك القواعد أكثر من الفرنسيين. ولولا ذلك لما استأجرها أولئك من هؤلاء، ولما أجرها هؤلاء إلى أولئك. ولقد حرص المغرب، منذ انتزاع استقلاله من الفرنسيين، في الثاني من آذار من عام 1956، على استرداد تلك القواعد فكان الأمريكيون يحتجون بأنهم استأجروها من الفرنسيين. أما الفرنسيون فكانوا يحتجون بأنهم استبقوا السلطة الاسمية على هذه القواعد ثمنا لقبولهم بالجلاء عن المغرب. ولكن لما قام الرئيس الأمريكي أيزنهاور بزيارة للمغرب، فيما زار من بلاد آسية وأوربة وإفريقية، في أعقاب عام 1959، وافق على جلاء القوات الأمريكية عن تلك القواعد، إلا أنه أجل موعد ذلك الجلاء إلى عام 1963. ويبدو أن مفاوضات لاحقة عادت فقدمت هذا الموعد إلى عام 1961.

ثم لاحت لنا قاعدة أمريكية ثانية بعد المغيب، نحن موغلون جنوبا في الشرق متجهين نحو مدينة مراكش، فرأينا القاعدة في الليل شعلة من الأضواء الكشافة في كل اتجاه. وفي المغرب قاعدتين أخريان لم تكونا في طريقنا الذي كنا نتبعه.

مدينة مراكش واحة في الصحراء. إنها حارة جافة. ولقد اتفق أن شهدت، في الأيام الثلاثة التي قضيتها فيها، حرا شديدا ومطرا غزيرا وعاصفة حمراء صبغت الجو كله بلون الدم وكانت تذري الرمال في الوجوه ثم تسد الأفق وتظل الأرض حتى لا يكاد الرجل يرى صاحبه على بضع خطوات منه.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٠٥٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٠٥٥