تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اننا منذ وجدنا ونحن نسمع أن عددا من الأفارقة الزنوج يعتنقون الإسلام على أيدي بعض المسلمين المخلصين الذين دفعهم إيمانهم إلى القيام بالدعوة المحمدية في إفريقيا السوداء وأن جل هؤلاء المومنين ينتسبون إلى الطرق الصوفية، وهم إذ كانوا يقومون بهذه الدعوة تلقائيا بصفة شخصية لوجه الله تعالى كانوا مراقين من طرف السلطة الاستعمارية النصرانية أيما مراقبة، فلم يكن في وسعهم أن يشعروهم بالدعوة على حقيقتها اذ كانوا يضطرون إلى أن يفرقوا بين الدين والسياسة، يضاف إلى ذلك أن هؤلاء الدعاة لم يكونوا اختصاصيين في نشر الدعوة، ولم يكونوا محرزين على المعلومات التي تؤهلهم لإشعار المومنين بأن العزة لا تكون إلا لله ولرسوله وللمومنين، على أن هؤلاء الدعاة المؤمنين جزاهم الله خيرا قد بثوا الروح الاستقلالية باعتراف أسقف دكار بأن البلدان ذات الأغلبية الإسلامية بإفريقيا هي التي تنشق بأكبر سرعة عن الغرب حسبما سبق بيانه، فأسقف دكار لم يستطع أن يكظم غيظه على الإسلام إذ في الوقت الذي اعترف له بأنه هو الذي دفع الناس إلى المطالبة بالاستقلال اتهم مبادئه بأنها تشبه مبادئ الشيوعية، وأبى عليه تعصبه وعداؤه للإسلام إلا أن لا يعترف بالفضل للإسلام لدفعه المسلمين إلى المطالبة بالحرية، وأن لا يعترف بأن النظم التي يسعى المسلمون في تطبيقها ببلادهم وهي شبيهة بالشيوعية لم يأت بها الإسلام وإنما أتى بها لهؤلاء المسلمين الشيوعيون الذين جيء بهم في صور مختلفة وبأسماء متباينة ليفسدوا على الناس دينهم. على أن الإسلام كما هو معروف من مبادئه لا يسير في ركب الرأسمالية الشرهة ولا يسير في ركب الشيوعية المتطرفة وإنما أخذ من كل المبادئ أحسنها قبل إيجادها. والسر في كون الأفارقة الزنوج اقبلوا على اعتناق الإسلام ولم يقبلوا على اعتناق المسيحية بقدر ما اقبلوا عليه، بالرغم من كون الدعاة النصارى توفرت لديهم الوسائل المالية والعلمية والاجتماعية، بينما الدعاة المسلمون يقومون بالدعوة إلى الله تلقائيا لا يرجون إلا الجزاء من الله، هو أن الإسلام دين بسيط يشتمل على نظام الحياة بجميع أنواعها فهو عقيدة ونظام ودولة، دراسته بكل نزاهة تتيح لمن هداه الله إليه والإيمان به.

ولو أن المسلمين كانوا مسلمين حقا في هذا العصر الذي طغت فيه المادة على الروح لاستطاعوا أن يضربوا المثل للعالم بنظام لا ياتيه النقد من بين يديه ولا من خلفه ولعلموا كلا المعسكرين الأمريكي والروسي أن العظمة هي لله وحده دون غيره، وأن العزة لله ولرسوله وللمومنين، وأن السعادة التي ينشدها أو يدعيها كل منهما ليست إلا خيالا لاحت لهما به السمادير، وأن السعادة في الدنيا إنما هي نسبية، قال تعالى: «لقد خلقنا الإنسان في كبد» وان السعادة وان السعادة التي يجب أن يعمل لها الإنسان هي التي سيجدها في الدار الآخرة ان كان من أهلها.

على كل حال قد اتضح للمسلمين مما سبق بيانه أنهم تهاونوا في الدعوة إلى الله، وانهم حادوا عن المحجة البيضاء، وأن رجال الكهنوت بالرغم من باطل دعوتهم يؤثرون في السياسة العالمية فيوجهونها لإحقاق الباطل وإزهاق الحق، عاملين على استمرار الحروب الصليبية بأسلوب جديد وقالب يتناسب وروح العصر، بينما بعض علماء الإسلام وأدعياء الإسلام قد قتل فيهم الاستعمار وحب الدنيا والاثرة والأنانية والتقليد الأعمى كل فضيلة إسلامية فضلا عن أن يقوموا بالدعوة إلى الله وبنشر محاسن الإسلام بين الأجانب، بل أن بعضهم عمل على إطفاء نور الله بدعوى العمل على نشر السلفية والبعض الآخر قد استغل الطرقية فأفسدها والحالة انها كانت في الأصل متصدية لنشر الدعوة حتى أن دخول الأفارقة من السودان في الإسلام يرجع الفضل فيه إلى رجال منتسبين فقراء كل زادهم هو الإيمان. فعسى المسلمون أن يتعظوا بهذه الأهواء وأن يرجعوا إلى الله ليتأتى لهم اذ ذاك نصر دينه. ولينصرن الله من ينصره. نا

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٠٣٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٠٣٨